جبلوا عليها ، فالمنّة لربهم في الحقيقة بما زكى لهم أنفسهم بقوله : (كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي مواظبين على ذلك لا تفترون. ولما كان الأكل أعم الحاجات وأعم الطلبات ، قال تعالى مبينا أن جميع أكلهم تفكه ليس فيه شيء تقوتا لأنه لا فناء فيها لقوة ولا غيرها لتحفظ بالأكل ولا ضعف (لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ) أي ما يؤكل تفكها وإن كان لحما وخبزا. ولما كان ما يتفكه في الدنيا قليلا قال تعالى : (كَثِيرَةٌ) ودل مع الكثرة على دوام النعمة بقصد التفكه بكل شيء فيها بقوله : (مِنْها) أي لا من غيرها مما يلحظ فيه التقوت (تَأْكُلُونَ) فلا تنفد أبدا ولا تتأثر بأكل الآكلين لأنها على صفة الماء النابع ، لا يؤخذ منه شيء إلا خلف مكانه مثله أو أكثر منه في الحال.
ولما ذكر ما للقسم الثاني من الأخلاء وهم المتقون ترغيبا لهم في التقوى ، أتبعه ما لأضدادهم أهل القسم الأول تحذيرا من مثل أعمالهم ، فقال استئنافا مؤكدا في مقابلة إنكارهم : (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ) أي الراسخين في قطع ما أمر الله به أن يوصل (فِي عَذابِ جَهَنَّمَ) أي النار التي من شأنها لقاء داخلها بالتجهم والكراهة والعبوسة كما كان يعمل عند قطعه لأولياء الله تعالى (خالِدُونَ) لأن إجرامهم كان طبعا لهم لا ينفكون عنه أصلا ما بقوا.
ولما بين إحاطته بهم إحاطة الظرف بمظروفه ، وكان من المعلوم أن النار لا تفتر عمن لابسته إلا بمفتر يمنعها بماء يصبه عليها أو تقليل من وقودها أو غير ذلك خرقا للعادة ، بين أنه لا يعتريها نقصان أصلا كما يعهد في عذاب الدنيا لأنهم هم وقودها فقال تعالى : (لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ) أي لا يقصد إضعافه بنوع من الضعف ، فنفي التفتير نفي للفتور من غير عكس ، قال البيضاوي : وهو من فترت عنه الحمى ـ إذا سكنت ، والتركيب للضعف.
ولما كان انتظار الفرج مما يخفف عن المتضايق ، نفاه بقوله : (وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) أي ساكتون سكوت يأس من النجاة والفرج.
ولما كان ربما ظن من لا بصيرة له أن هذا العذاب أكبر وأكثر مما يستحقونه ، أجاب سبحانه بقوله ليزيد عذابهم برجوعهم باللائمة على نفوسهم ووقوعهم في منادمات الندامات : (وَما ظَلَمْناهُمْ) نوعا من الظلم لأنه تعالى مستحيل في حقه الظلم (وَلكِنْ كانُوا) جبلة وطبعا وعملا وصنعا دائما (هُمُ) أي خاصة (الظَّالِمِينَ) لأنهم بارزوا المنعم عليهم بالعظائم ونووا أنهم لا ينفكون عن ذلك ما بقوا ، والأعمال بالنيات ، ولو كانوا يقدرون على أن لا يموتوا لما ماتوا.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
