الاتصال بهم (وَرَحْمَةً) أي رقة وعطفا على من لم يكن له سبب في الصلة بهم كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم رحماء بينهم حتى كانوا أذلة على المؤمنين مع أن قلوبهم في غاية الصلابة فهم أعزة على الكافرين ، وترتيب الوصفين هكذا أدل دليل على أنهما لم يقصد بهما مراعاة الفواصل في رؤف (رَحِيمٌ) كما قاله بعض المفسرين وتقدم في آخر براءة أن ذلك قول لا يحل التصويب إليه ولا التعويل عليه وإن قاله من قال (وَرَهْبانِيَّةً) أي أمورا حاملة على الرهيبة والتزيي بزيها والعمل على حسبها مبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس.
ولم قدم المعمول لفعل غير مذكور ليدل عليه بما يفسره ليكون مذكورا مرتين تأكيدا له إفهاما لذم نفس الابتداع ، أتبعه المفسر لعامله فقال : (ابْتَدَعُوها) أي حملوا أنفسهم على عملها والتطويق بها من غير أن يكون لهم فيها سلف يعلمونه أو يكون بما صرح به كتابه وإن كانت مقاصده لا تأباها فاعتزلوا لأجلها الناس ، وانقطعوا في الجبال عن الاستئناس ، وكانت لهم بذلك أخبار شائعة في النواحي والأمصار ، وفي التقديم على العامل سر آخر وهو الصلاحية للعطف على ما قبلها لئلا يتوهم من لفظ الابتداع أن لا صنع لله فيها (ما كَتَبْناها) أي فرضناها بعظمتنا (عَلَيْهِمْ) في كتابهم ولا على لسان رسولهم (إِلَّا) أي لكن ابتدعوها (ابْتِغاءَ) أي لأجل تكليفهم أنفسهم الوقوع بغاية الاجتهاد في تصفية القلوب وتهذيب النفوس وتزكية الأعمال على (رِضْوانِ اللهِ) أي الرضا العظيم من الملك الأعظم ، وساق المنقطع مساق المتصل إشارة إلى أنه مما يرضي الله ، وأنه ما ترك فرضها عليهم إلا رحمة لهم لأجل صعوبتها ، وأنه صيرها بعد إلزامهم بها كالمكتوبة ، فيكون التقدير حينئذ : إلا لأجل أن يبتغوا رضوانه على وجه الثبات والدوام ، قال الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري في كتابه «فتوح مصر والمغرب» : فلما أن أغرق الله عزوجل فرعون وجنوده كما حدثنا هانىء بن المتوكل عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن تبيع قال : استأذن الذين كانوا آمنوا من السحرة لموسى عليهالسلام في الرجوع إلى أهله وماله بمصر فأذن لهم ودعا لهم فترهبوا في رؤوس الجبال ، فكانوا أول من ترهب ، وكان يقال لهم الشيعة ، وبقيت طائفة منهم مع موسى عليهالسلام حتى توفاه الله عزوجل ، ثم انقطعت الرهبانية بعدهم حتى ابتدعها بعد ذلك أصحاب المسيح عليهالسلام. (١)
ولما تسبب عن صعوبتها أنهم أضاعوها بالتقصير عن شؤونها والسفول عن عليائها
__________________
(١) انظر فتوح مصر والمغرب لعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم ص ٤٤ (وفي إسناده ابن لهيعة ضعيف).
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
