من يطول به البلاء من المؤمنين وإنكار الكفار : (وَإِنَّ اللهَ) أي الذي له صفات الكمال (بِكُمْ) قدم الجارّ لأن عظيم رحمته لهذه الأمة موجب لعد نعمته على غيرنا عدما بالنسبة إلى نعمته علينا (لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) أي كنتم بالنظر إلى رحمته الخاصة التي هي لإتمام النعمة العامة صنفين : منكم من كان له به وصلة بما يفعل في أيام جاهليته من الخيرات كالإنفاق في سبيل المعروف ، وعبر بالإنفاق لكونه خيرا لا رياء ونحوه فيه كالصديق رضي الله عنه فعاد عليه ، بعد عموم رحمته بالبيان ، بخصوص رحمة عظيمة أوصلته إلى أعظم درجات العرفان ، ومنكم من كان بالغا في اتباع الهوى فابتدأه بعد عموم رحمة البيان بخصوص رحمة هداه بها إلى أعمال الجنان ، وهي دون ما قبلها في الميزان ، وفوقها من حيث إنها بدون سبب من المرحوم.
ولما أمرهم بالإيمان والإنفاق ، وكان الإيمان مع كونه الأساس الذي لا يصح عمل بدونه ليس فيه شيء من خسران أو نقصان ، فبدأ به لذلك ، ورغب بختم الآية بالإشارة بالرأفة إلى أن من توصل إليه بشيء من الإيمان أو غيره زاده من فضله «من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ـ إلى قوله : ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» (١) عطف عليه الترغيب في التوصل إليه بالإنفاق منكرا على من تركه موبخا لمن حاد عنه وهو يعلم أنه فان ، مفهما بزيادة «أن» المصدرية اللوم على تركه في جميع الأزمنة الثلاثة فقال : (وَما) أي وأيّ شيء يحصل (لَكُمْ) في (أَلَّا تُنْفِقُوا) أي توجدوا الإخراج للمال (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي في كل ما يرضي الملك الأعظم الذي له صفات الكمال لتكون لكم به وصلة فيخصكم بالرأفة التي هي أعظم الرحمة ، فإنه ما بخل به أحد عن وجه خير إلا سلط الله عليه غرامة في وجه شر ، وأظهر موضع الإضمار في جملة حالية باعثا على الإنفاق بأبلغ بعث فقال : (وَلِلَّهِ) تأكيدا للعظمة بالندب إلى ذلك باستحضار جميع صفات الكمال لا سيما صفة الإرث المقتضية للزهد في الموروث (مِيراثُ) أي الإرث والموروث والموروث عنه وغير ذلك (السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) جميعا لا شيء فيهما أو منهما إلا هو كذلك يزول عن المنتفع به ويبقى لله بقاء الإرث ، ومن تأمل أنه زائل هو وكل ما في يده والموت من ورائه ، ويد طوارق الحوادث مطبقة به ، وعما قليل ينقل ما في يده إلى غيره هان عليه الجود بنفسه وماله.
ولما رغبهم في الإنفاق على الإطلاق ، رغبهم في المبادرة إليه ، مادحا أهله خاصا منهم أهل السياق فقال : (لا يَسْتَوِي.) ولما كان المراد أهل الإسلام بين بقوله :
__________________
(١) تقدم مرارا.
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
