فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) [القصص : ٤٠] (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ) وقوله تعالى (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ) إلى أن قال (إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ) [ص : ١٤] غير ذلك من محكم الآيات وصريح الدلالات البينات ، وكذا غير فرعون وقومه من الصالحين والطالحين جعلهم سبحانه سلفا ومثلا للآخرين ، فمن أراد به خيرا يسر له مثل خير احتذى به ، ومن أراد به شرا أضله بمثل سوء اقتدى به ، فقد جعل الله عيسى عليه الصلاة والسّلام مثلا لتمام قدرته على اختراع الأشياء بأسباب وبغير أسباب ، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأزهدهم وأقربهم إلى الخير وأبعدهم عن الشر ، فاقتدى به من أراد الله به الخير في مثل ذلك فاهتدى به ، وضل به آخرون وضربوا به لأنفسهم أمثال الآلهة ، وصاروا يفرحون بما لا يرضاه عاقل ولا يراه ، وضربه قومك مثلا لآلهتهم لما أخبرنا أنهم معهم حصب جهنم وسروا بذلك وطربوا وظنوا أنهم فازوا وغلبوا : (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ) أي ضربه ضارب منهم (مَثَلاً) لآلهتهم (إِذا قَوْمُكَ) أي الذين أعطيناهم قدرة على القيام بما يحاولونه (مِنْهُ) أي ذلك المثل (يَصِدُّونَ) أي يضجون ويعلون أصواتهم سرورا بأنهم ظفروا على زعمهم بتناقض ، فيعرضون به عن إجابة دعائك ، يقال : صد عنه صدودا : أعرض ، وصد يصد ويصد : ضج ـ قاله في القاموس ، فلذلك قال ابن الجوزي : معناهما جميعا ـ أي قراءة ضم الصاد وقراءة كسرها ـ يضجون ، ويجوز أن يكون معنى المضمومة : يعرضون ، قال ابن برجان : والكسر أعلى القراءتين ـ انتهى.
وذلك أن قريشا قالوا كما مضى في الأنبياء (إنا وما نعبد في جهنم) مقتض أن يكون عيسى كذلك ، وأن نستوي نحن وآلهتنا به ، فإنه مما عبد ونحن راضون بمساواته لنا ـ إلى آخر ما قالوا وما رد عليهم سبحانه به من الآية من العام الذي أريد به الخصوص كما هو مقتضى كلامهم ولسانهم في أن الأصل في «ما» لما لا يعقل ، وذلك هو المراد من قوله تعالى حاكيا عنهم : (وَقالُوا أَآلِهَتُنا) التي نعبدها من الأصنام والملائكة (خَيْرٌ أَمْ هُوَ) أي عيسى فنحن راضون بأن نكون معه.
ولما اشتد التشوف إلى جوابهم ، وكان قد تقدم الجواب عنه في الأنبياء ، قدم عليه هنا أن مرادهم بذلك إنما هو المماحكة والمماحلة والمراوغة والمقاتلة فقال تعالى : (ما ضَرَبُوهُ) أي ما ضرب الكفار : ابن الزبعري حقيقة وغيره من قومك مجازا ، المثل لآلهتهم بعيسى عليه الصلاة والسّلام (لَكَ إِلَّا جَدَلاً) أي لإرادة أن يقتلوك عن دعوتك مغالطة وهم عالمون بأن ما ألزموك به غير لازم ولم يعتقدوا لزومه قط لأن الكلام ما كان
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
