ولما أفهم هذا التقييد أن من خالط ما دون فما دون كان مغفورا له ، صرح به فقال : (إِلَّا) أي لكن (اللَّمَمَ) معفو ، فمن خالطه لا يخرج عن عداد من أحسن ، فهو استثناء منقطع ، ولعله وضع فيه (إِلَّا) موضع (لكن) إشارة إلى أن الصغير يمكن أن يكون كبيرا باستهانته مثلا كما قال تعالى (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ) [النور : ١٥] واللمم هو صغار الذنوب ، والمراد هنا ما يحصل منها في الأحيان كأنه وقع في صاحبه فلتة بغير اختيار منه ، لا ما يتخذ عادة أو يكثر حتى يصير كالعادة ، قال الرازي في اللوامع : وأصله مقاربة الذنب ثم الامتناع منه قبل الفعل ، قال ذو النون : ذكر الفاحشة من العارف كفعلها من غيره ـ انتهى. يقال : وألم بالمكان ـ إذا قل لبثه فيه ، وقال البغوي : قال السدي : قال أبو صالح أنه سئل عن اللمم فقال : هو الرجل يلم بالذنب ثم لا يعاوده ، قال : فذكرت ذلك لابن عباس رضي الله عنهما فقال : لقد أعانك عليها ملك كريم ، ثم قال البغوي : فأصل الملم والإلمام ما يعمله الإنسان الحين بعد الحين ، ولا يكون له إعادة ولا إقامة عليه ـ انتهى ـ وعلى هذا يصح أن يكون الاستثناء متصلا.
ولما كان الملوك لا يغفرون لمن تكررت ذنوبه إليهم وإن صغرت ، فكان السامع يستعظم أن يغفر ملك الملوك سبحانه مثل هذا ، علل ذلك بقوله : (إِنَّ رَبَّكَ) أي المحسن إليك بإرسالك رحمة للعالمين والتخفيف عن أمتك (واسِعُ الْمَغْفِرَةِ) فهو يغفر الصغائر حقا أوجبه على نفسه ويغفر الكبائر إن شاء بخلاف غيره من الملوك فإنه لو أراد ذلك ما أمكنه اتباعه ، ولو جاهد حتى تمكن من ذلك في وقت فسدت مملكته فأدى ذلك إلى زوال الملك من يده أو اختلاله.
ولما وصف الذين أحسنوا فكان ربما وقع في وهم أنه لا يعلمهم سبحانه إلا بأفعالهم ، وربما قطع من عمل بمضمون الآية أنه ممن أحسن ، قال نافيا لذلك : (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ) أي بذواتكم وأحوالكم منكم بأنفسكم (إِذْ) أي حين (أَنْشَأَكُمْ) ابتداء (مِنَ الْأَرْضِ) التي طبعها طبع الموت : البرد واليبس بإنشاء أبيكم آدم عليهالسلام منها وتهيئتكم للتكوين بعد أن لم يكن فيكم تقوية قريبة ولا بعيدة أصلا يميز الثواب الذي يصلح لتكونكم منه والذي لا يصلح (وَإِذْ) أي حين (أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ) أي مستورون.
ولما كان البشر قد يكون في بطن الأرض وإن كان الجنين معروفا للطفل في البطن ، حقق معناه بقوله : (فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ) بعد أن مزج بذلك التراب البارد اليابس الماء والهواء ، فنشأت الحرارة والرطوبة ، فكانت هذه الأربعة الأخلاط الزكية والدنية ، ولكن لا علم لكم أصلا ، فهو يعلم إذ ذاك ما أنتم صائرون إليه من خير وشر وإن عملتم
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
