وقرأ يعقوب إخواتكم بالجمع ، وقراءة الجماعة أبلغ لدلالتها على الاثنين فما فوقهما بالمطابقة (وَاتَّقُوا اللهَ) أي الملك الأعظم الذين هم عباده في الإصلاح بينهما بالقتال وغيره ، لا تفعلوا ما صورته إصلاح وباطنه إفساد ، وأشار إلى سهولة الأمور عنده ونفوذ أمره وأن النفوس إنما تشوفها إلى الإكرام لا إلى كونه من معين ، فبنى للمفعول قوله تعالى : (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي لتكونوا إذا فعلتم ذلك على رجاء عند أنفسكم ومن ينظركم من أن يكرمكم الذي لا قادر في الحقيقة على الإكرام غيره بأنواع الكرامات كما رحمتم إخوتكم بإكرامهم عن إفساد ذات البين التي هي الحالقة ، وقد دلت الآية أن الفسق بغير الكفر لا يخرج عن الإيمان ، وعلى أن الإصلاح من أعظم الطاعات ، وعلى وجوب نصر المظلوم لأن القتال لا يباح بدون الوجوب ، قال القشيري : وذلك يدل على عظم وزر الواشي والنمام والمضرب في إفساد ذات البين ، وقال : من شرط الأخوة أن لا تحوج أخاك إلى الاستعانة بك والتماس النصرة منك ، ولا تقصر في تفقد أحواله بحيث يشكل عليك موضع حاجته فيحتاج إلى مسألتك.
ولما نهى عن الإسراع بالإيقاع بمجرد سماع ما يوجب النزاع ، وختم بما ترجى به الرحمة ، وكان ربما كان الخبر الذي أمر سبحانه بتبينه صريحا ، نهى عن موجبات الشر التي يخبر بها فتكون سببا للضغائن التي يتسبب عنها الشر الذي هو سبب للنقمة رحمة لعباد الله وتوقعا للرحمة منه ، فقال على سبيل النتيجة من ذلك ذاكرا ما في القسم الرابع من الآداب والمنافع من وجوب ترك أذى المؤمنين في حضورهم والإزراء بحالهم المذهب لسرورهم الجالب لشرورهم : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي أوقعوا الإقرار بالتصديق (لا يَسْخَرْ) أي يهزأ ويستذل.
ولما كانت السخرية تكون بحضرة ناس ، قال معبرا بما يفهم أن من شارك أو رضي أو سكت وهو قادر فهو ساخر مشارك للقائل : (قَوْمٌ) أي ناس فيهم قوة المحاولة ، وفي التعبير بذلك هز إلى قيام الإنسان على نفسه وكفها عما تريده من النقائص شكرا لما أعطاه الله من القوة : (مِنْ قَوْمٍ) فإن ذلك يوجب الشر لأن أضعف الناس إذا حرك للانتقاص قوي بما يثور عنده من حظ النفس.
ولما كان الذي يقتضيه الرأي الأصيل أنه لا يستذل الإنسان إلا من أمن أن يصير في وقت من الأوقات أقوى منه في الدنيا أو في الآخرة ، علل بقوله : (عَسى) أي لأنه جدير وخليق لهم (أَنْ يَكُونُوا) أي المستهزأ بهم (خَيْراً مِنْهُمْ) فينقلب الأمر عليهم ويكون لهم سوء العاقبة ، قال ابن مسعود رضي الله عنه : البلاء موكل بالقول ولو سخرت من كلب خشيت أن أحول كلبا ؛ وقال القشيري : ما استضعف أحد أحدا إلا
![نظم الدّرر [ ج ٧ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4710_nazm-aldurar-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
