ولما ذكر المزكي وثمرته ، أتبعه المدسي وشقوته فقال : (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ) أي أوجد هذه الحقيقة الخبيثة فمنع ما أمر به وندب إليه (وَاسْتَغْنى) أي طلب الغنى عن الناس وعما وعد به من الثواب وأوجده بما زعمت له نفسه الخائبة وظنونه الكاذبة. فلم يحسن إلى الناس ولا عمل للعقبى : (وَكَذَّبَ) أي أوقع التكذيب أن يستحق التصديق (بِالْحُسْنى ) أي فأنكرها ، ولما كان جامدا مع المحسوسات كالبهائم قال : (فَسَنُيَسِّرُهُ) أي نهيئه بما لنا من العظمة وعد لا خلف فيه (لِلْعُسْرى ) أي للخصلة التي هي أعسر الأشياء وأنكدها ، وهي العمل بما يغضبه سبحانه الموجب لدخول النار وما أدى إليه ، وأشار بنون العظمة في كل من نجد الخير ونجد الشر إلى أن ارتكاب الإنسان لكل منهما في غاية البعد ، أما نجد الخير فلما حفه من المكاره ، وأما نجد الشر فلما في العقل والفطرة الأولى من الزواجر عنه ، وذلك كله أمر قد فرغ منه في الأزل بتعيين أهل السعادة وأهل الشقاوة «وكل ـ كما قال صلىاللهعليهوسلم ـ ميسر لما خلق له (١)».
(وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١))
ولما كان أهل الدنيا إذا وقعوا في ورطة تخلصوا منها بأموالهم قال : (وَما يُغْنِي) أي في تلك الحالة (عَنْهُ) أي هذا الذي بخل وكذب (مالُهُ) أي الذي بخل به رجاء نفعه ، ويجوز أن يكون استفهاما إنكاريا فيكون نافيا للإغناء على أبلغ وجه (إِذا تَرَدَّى) أي هلك بالسقوط في حفرة القبر والنار ، تفعّل من الردى وهو الهلاك والسقوط في بئر.
ولما كان ربما قال المتعنت الجاهل بما له سبحانه وتعالى من العظمة التي لا اعتراض لأحد عليها : ما له لا ييسر الكل للحسنى ، استأنف جوابه مبينا ما ألزم به نفسه من المصالح تفضلا منه بما له من اللطف والكرم وما يفعله مما هو له من غير نظر إلى ذلك بما له من الجبروت والكبر ، فقال مؤكدا تنبيها على أنه يحب العلم بأنه لا حق لأحد عليه أصلا : (إِنَّ عَلَيْنا) أي على ما لنا من العظمة (لَلْهُدى ) أي البيان للطريق الحق وإقامة الأدلة الواضحة على ذلك.
ولما بين ما ألزمه نفسه المقدس فصار كأنه عليه لتحتم وقوعه فكان ربما أوهم أنه
__________________
(١) أخرجه أحمد ١ / ٨٢ والبخاري ٤٩٤٧ مسلم ٢٦٤٧ والترمذي ٢١٣٦ وابن ماجة ٧٨ وغيرهم عن علي كرّم الله وجهه. وفي الباب عن عمران وجابر رضي الله تعالى عنهما وكل في الصحيح.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
