ولما ذكر المساكن النزهة المؤنقة المعجبة ، ذكر ما يتمتع به وهو جامع لألذاذ الحواس : البصر واللمس والذوق فقال : (وَكَواعِبَ) أي نساء كعبت ثديهن (أَتْراباً) أي على سن واحد ما مس جلد واحدة التراب قبل الأخرى ، بل لو كن مولودات لكانت ولادتهن في آن واحد.
ولما ذكر النساء ذكر الملائم لعشرتهن فقال : (وَكَأْساً) أي من الخمر التي لا مثل لها في لذة الذوق ظاهرا وباطنا وكمال السرور وإنعاش القوى. ولما كانت العادة جارية بأن الشراب الجيد يكون قليلا ، دل على كثرته دليلا على جودته بقوله : (دِهاقاً) أي ممتلئة.
ولما كانت مجالس الخمر في الدنيا ممتلئة بما ينغصها من اللغو والكذب إلا عند من لا مروءة له فلا ينغصه القبيح ، قال نافيا عنها ما يكدر لذة السمع : (لا يَسْمَعُونَ فِيها) أي الجنة في وقت ما (لَغْواً) أي لغطا يستحق أن يلغى لأنه ليس له معنى أعم من أن يكون مهملا ليس له معنى أصلا ، أو مستعملا ليس له معنى موجود في الخارج وإن قل ، أو له معنى ولكنه لا يترتب به كبير فائدة. ولما انتفى الكذب بهذه الطريقة ، وكان التكذيب أذى للمكذب ، نفاه بقوله : (وَلا كِذَّاباً) فإن هذه الصيغة تقال على التكذيب ومطلق الكذب ، فصار المعنى : ولا أذىّ بمعارضة في القول ، مع موافقة قراءة الكسائي بالتخفيف فإن معناها كذبا أو مكاذبة ، وشدد في قراءة الجماعة لرشاقة اللفظ وموازنة «أعنابا وأترابا» مع الإصابة لحلق المعنى من غير أدنى جور عن القصد ولا تكلف بوجه ما.
(جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠))
ولما كان العطاء إذا كان على المعاوضة كان أطيب لنفس الآخذ قال : (جَزاءً) وبين أنه ما جعله جزاء لهم إلا إكراما للنبي صلىاللهعليهوسلم فإنه سبحانه لا يجب عليه لأحد شيء لأن أحدا لا يمكنه أن يوفي شكر نعمة من نعمه فإن عمله من نعمه فقال : (مِنْ رَبِّكَ) أي المحسن إليك بإكرام أمتك بأنواع الإكرام ، وفي (عَطاءً) إشارة إلى ذلك وهو بذل من غير جزاء (حِساباً) أي على قدر الكفاية وإن فعل الإنسان منهم ما فعل وحسب جميع أنواع الحساب ، من قولهم : أعطاه فأحسبه ـ إذا تابع عليه العطاء وأكثره حتى
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
