إشارة إلى أن كل ما يريده بمقتضى طبعه وشهواته خارج عن طوره فهو معاقب عليه لأنه عبد ، والعبد يجب عليه أن يكون مراقبا للسيد ، لا يريد إلا ما يأمره به ، فإذا أراد ما أمره به لم تنسب إليه إرادة بل الإرادة للسيد لا له.
ولما كان ذلك ، وكانت إرادته الخارجة عن الأمر معصية ، قال معللا : (لِيَفْجُرَ أَمامَهُ) أي يقع منه الإرادة ليقع منه الفجور في المستقبل من زمانه بأن يقضي شهواته ويمضي راكبا رأسه في هواه ، ونفسه الكاذبة تورد عليه الأماني وتوسع له في الأمل وتطمعه في العفو من دون عمل ، قال الحسن : المؤمن ما تراه إلا يلوم نفسه ويقول : ما أردت بكلامي؟ وما أردت بأكلي؟ والفاجر يمضي قدما لا يحاسب نفسه ولا يعاتبها. ويجوز أن يعود الضمير على الله تعالى ليكون المعنى : ليعمل الفجور بين يدي الله تعالى وبمرأى منه ومسمع ويطمع في أن لا يؤاخذه بذلك أو يجازيه بفجوره ، قال في القاموس : والفجر : الانبعاث في المعاصي والزنا كالفجور.
ولما كان عريقا في التلبس بهذا الوصف ، أنتج له الاستهزاء بهذا الخطب الأعظم فترجم ذلك بقوله : (يَسْئَلُ) أي سؤال استهزاء واستبعاد ، ويوضع موضع مفعول يسأل جملة اسمية من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر فقال : (أَيَّانَ) أي أيّ وقت يكون (يَوْمُ الْقِيامَةِ) ولما كان الجواب : يوم يكون كذا وكذا ، عدل عنه إلى ما سبب عن استبعاده لأنه أهول ، فقال دالا على خراب العالم لتجرد الإنسان عن مسكنه وما ألفه من أحواله فيكون أهول معبرا بأداة التحقق لأنها موضعها : (فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ) أي شخص وقف فلا يطرف من هول ما يرى ـ هذا على قراءة نافع بالفتح ، وهي إشارة إلى مبدأ حاله ، وقراءة الجماعة بالكسر مشيرة إلى مآله فإن معناها : تحير ودهش وغلب ، من برق الرجل ـ إذا نظر إلى البرق فحسر بصره وتفرق تفرق الشيء في المايع إذا انفتح عنه وعاؤه بدليل قراءة بلق من بلق الباب ـ إذا انفتح ، وبلق الباب كنصر : فتحه كله ، أو شديدا كأبلقه فانبلق ، وبلق كفرح : تحير ـ قاله في القاموس.
(وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلاَّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢))
ولما كانت آيات السماوات أخوف ، ذكرها بادئا بما طبعه البرد ، إشارة إلى شدة الحر والتوهج والأخذ بالأنفاس الموجب لشدة اليأس فقال : (وَخَسَفَ الْقَمَرُ) أي وجد خسفه بأن خسفه الله تعالى فأذهب صورته كما تذهب صورة الأرض المخسوفة ، وذلك بإذهاب ضوئه من غير سبب لزوال ربط المسببات في ذلك اليوم بالأسباب وظهور
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
