شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) [النحل : ٣٥] الآية وما ضاهاها.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما بين قبل حالهم في الافتراق ، أقسم سبحانه على ذلك الشأن في الخلائق بحسب تقديره أزلا ليبلوهم (أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [لا يوجد ليبلوهم بالياء في لغتنا وإنما كما في الكهف آية ٧ : لنبلوهم ... وفي الملك آية ٢ : لنبلوكم ... فقال تعالى : (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) فاتصل بقوله تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) [الشمس : ١٠] إن قوله تعالى (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى) ـ إلى ـ العسرى يلائمه تفسيرا وتذكيرا بما الأمر عليه من كون الخير والشر بإرادته وإلهامه وبحسب السوابق قوله : (فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) [الشمس : ٨] فهو سبحانه الملهم للإعطاء والاتقاء والتصدق ، والمقدر للبخل والاستغناء والتكذيب (وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) [الصافات : ٩٦] (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) [الأنبياء : ٢٣] ثم زاد ذلك إيضاحا بقوله تعالى (إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى) فتبا للقدرية والمعتزلة (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ) [يوسف : ١٠٥] ـ انتهى.
ولما طابق بين القسم والمقسم عليه ، ونبه بالقسم والتأكيد مع ظهور المقسم عليه على أنهم في أمنهم مع التحذير كمن يدعي أنه لا فرق وأن مآل الكل واحد كما يقوله أصحاب الوحدة ـ عليهم الخزي واللعنة شرع في بيان تشتتت المساعي وبيان الجزاء لها ، فقال مسببا عن اختلافهم ما هو مركوز في الطباع من أنه لا يجوز تسوية المحسن بالمسيء ناشرا لمن زكى نفسه أو دساها نشرا مستويا إيذانا بأن المطيع فيه هذه الأمة ـ ولله الحمد ـ كثير بشارة لنبيها صلىاللهعليهوسلم : (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى) أي وقع منه إعطاء على ما حددنا له وأمرناه به (وَاتَّقى ) أي وقعت منه التقوى وهو اتخاذ الوقايات من الطاعات واجتناب المعاصي خوفا من سطواتنا (وَصَدَّقَ) أي أوقع التصديق للمخبر (بِالْحُسْنى ) أي وهي كلمة العدل التي هي أحسن الكلام من التوحيد وما يتفرع عنه من الوعود الصادقة بالآخرة والإخلاف في النفقة في الدنيا وإظهار الدين وإن قل أهله على الدين كله ، وغير ذلك من كل ما وعد به الرسول صلىاللهعليهوسلم سبحانه وتعالى ، وعدل الكلام إلى مظهر العظمة إشارة إلى صعوبة الطاعة على النفس وإن كانت في غاية اليسر في نفسها لأنها في غاية الثقل على النفس فقال : (فَسَنُيَسِّرُهُ) أي نهيئه بما لنا من العظمة بوعد لا خلف فيه (لِلْيُسْرى ) أي الخصلة التي هي في غاية اليسر والراحة من الرحمة المقتضية للعمل بما يرضيه سبحانه وتعالى ليصل إلى ما يرضى به من الحياة الطيبة ودخول الجنة.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
