الخوارق بدليل قوله : (وَجُمِعَ) أي جمعا هو في غاية الإحكام والشدة كما أفهمه التذكير وعلى أيسر الوجوه وأسهلها (الشَّمْسُ) أي آية النهار (وَالْقَمَرُ) مع عدم إنارته وإن كان نوره الآن من نورها فذهب الانتفاع بهما وهما مع ذهاب النور وتفرق البصر مدركان لوجود الكشف التام عن الخفيات كما قال تعالى : (فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق : ٢٢] وبعد جمعهما يلقيان في النار كأنهما ثوران عقيران ، وبني الفعل للمفعول لأن المهول مطلق جمعهما المخرج لهما عن العادة وللدلالة على السهولة.
ولما عظم أمر يوم القيامة بما تقدم ، أكد ذلك بأن الأمر فيه على غير ما نعهده في الدنيا من وجدان مهرب أو حاكم غير الذي يخافه المطلوب أو شيء من تشعب الكلمة وتفرقها فقال : (يَقُولُ الْإِنْسانُ) أي بشدة روعه جريا مع طبعه (يَوْمَئِذٍ) أي إذا كان هذا الخطب الأجل والقادح الأكبر ، وحكى بيقول جملة اسمية من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر فقال : (أَيْنَ الْمَفَرُّ) أي الفرار والموضع الذي إليه الفرار والزمان القابل لذلك ، قول آيس مدهوش قاده إليه الطبع ، وذلك حين تقاد جهنم بسبعين ألف سلسلة ، كل سلسلة بأيدي سبعين ألف ملك ، لها زفير وشهيق.
ولما كان ذلك اليوم يوم انقطاع الأسباب ، قال نافيا بما سال عنه بأداة الردع : (كَلَّا) أي لا يقال هذا فإنه لا سبيل إلى وجود معناه وهو معنى (لا وَزَرَ) أي ملجأ ومعتصم ولا حصن ولا التجاء واعتصام ، وكون هذا من كلام الإنسان رجوعا من طبعه إلى عقله أقعد وأدل على الهول لأنه لا يفهم أنه بعد أن سأل من عظيم الهول نظر في جملة الأمر فتحقق أن لا حيلة بوجه أصلا ، فقال معبرا بالأداة الجامعة لمجامع الردع.
ولما كان المعنى : لا مفر من الله إلا إليه ، لأن ملكه محيط وقدرته شاملة ، قال مترجما عنه ذاكرا صفة الإحسان لوما لنفسه على عدم الشكر : (إِلى رَبِّكَ) أي المحسن إليك بأنواع الإحسان وحده ، لا إلى شيء غيره (يَوْمَئِذٍ) أي إذ كانت هذه الأشياء (الْمُسْتَقَرُّ) أي استقرار الخلق كلهم ناطقهم وصامتهم ومكان قرارهم وزمانه إلى حكمه سبحانه ومشيئته ظاهرا وباطنا لا حكم لأحد غيره بوجه من الوجوه في ظاهر ولا باطن كما هو في الدنيا.
(يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥) لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧))
ولما كان موضع السؤال عن علة هذا الاستقرار ، قال مستأنفا بانيا للمفعول لأن
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
