والسماء تشبه الأرواح القدسية النورانية ، والجبال تشبه العقول والمعارف الثابتة الراسخة ، والأرض تشبه البدن المشتمل على الأعضاء والأركان.
ولما كانت هذه السورة مكية من أوائل ما أنزل ، وكان مأمورا إذ ذاك بالصفح قال : (إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ) أي لا مقاتل قاهر قاسر لهم على التذكر والرجوع ، فلا عليك إن لم ينظروا ولم يتذكروا لأنه ما عليك إلا البلاغ ، ولذلك قال (لَسْتَ) وأشار إلى القهر بأداة الاستعلاء فقال : (عَلَيْهِمْ) أي خاصة (بِمُصَيْطِرٍ) أي بمتسلط ، وأما غيرهم فسنسلطك عليهم عن قريب ، وقرأها الكسائي بالسين على الأصل.
(إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦))
ولما نفى عنهم تسلط الدنيا ، وكان التقدير : فمن أقبل وآمن فإن الله ينعمه النعيم الأكبر ، قال مستدركا قسيمهم في صورة الاستثناء : (إِلَّا) أي لكن (مَنْ تَوَلَّى) أي كلف نفسه المطمئنة وفطرته الأولى المستقيمة للإعراض (وَكَفَرَ) أي وأصر على كفره ، وأجاب الشرط بقوله مسببا عنه : (فَيُعَذِّبُهُ) أشد العذاب الذي لا يطيقه أصلب الحديد ولا أشد الجبال (اللهُ) أي الملك الأعظم بسبب تكبره على الحق ومخالفته لأمرك المطاع ومرادك الذي كله الحسن الجميل ، ولعله صوره وهو منقطع بصورة المتصل بالتعبير بأداته إشارة إلى أن العذاب من الله عذاب منه صلىاللهعليهوسلم ، لأن سببه تكذيبهم له ، وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما «ألا» بالفتح والتخفيف على أنها استفتاحية (الْعَذابَ الْأَكْبَرَ) يعني عذاب الآخرة ، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا فيكون المعنى : أن من أصر على الكفر يسلطه الله عليه فيقتله فيعذبه الله في الدار الآخرة ، ثم علل إخباره عن عذابه في الآخرة بقوله مؤكدا لما لهم من التكذيب : (إِنَّ إِلَيْنا) أي خاصة بما لنا من العظمة والكبرياء (إِيابَهُمْ) أي رجوعهم وإن أبوا بالموت ثم بالبعث ثم بالحشر.
ولما كان الحساب متأخرا عن ذلك كله ، وعظيما كما وكيفا ، عظمه بأداة التراخي فقال : (ثُمَّ إِنَ) أكده لإنكارهم ، وأتى بأداة دالة على أنه كالواجب في أنه لا بد منه فقال : (عَلَيْنا) أي خاصة بما لنا من القدرة والتنزه عن نقص العبث والجور وكل نقص ، لا على غيرنا ، لأن غيرنا لا قدرة له فقد تقدمنا فيه بالوعود الصادقة ، وأكدناها غاية التأكيد (حِسابَهُمْ) أي يوم القيامة على النقير والقطمير ، وغير ذلك من كل صغير وكبير ، وذلك يكون في الغاشية يوم ينقسم الناس قسمين : في دار هوان ، ودار أمان ، فقد التف آخرها بأولها ، وتعانق مفصلها بموصلها ـ والله الهادي للصواب وإليه المآب.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
