يكرمونه به من الجاه والمال (وَنَعَّمَهُ) أي بأن جعله متلذذا مترفا بما أعطاه غير تعبان ـ بسببه (فَيَقُولُ) سرورا بذلك وافتخارا : (رَبِّي) أي الموجد لي والمدبر لأمري (أَكْرَمَنِ) أي فيظن أن ذلك عن استحقاق فيرتفع به (وَأَمَّا) هو (إِذا) وأكد على نمط الأول فقال : (مَا ابْتَلاهُ) أي ربه ليظهر صبره أو جزعه.
ولما كان قوله في الأول (فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ) كناية عن «فوسع عليه» قابله هنا بقوله : (فَقَدَرَ) أي ضيق تضييق من يعمل الأمر بحساب وتقدير (عَلَيْهِ رِزْقَهُ) فهو كناية عن الضيق كما أن العطاء بغير حساب كناية عن السعة ، فجعله بمقدار ضرورته الذي لا يعيش عادة بدونه ، ولم يجعله فيه فضلا عن ذلك ولم يقل «فأهانه» موضع «قدر عليه» تعليما للأدب معه سبحانه وتعالى وصونا لأهل الله عن هذه العبارة لأن أكثرهم مضيق عليه في دنياه ، ولأن ترك الإكرام لا ينحصر في كونه إهانة (فَيَقُولُ) أي الإنسان بسبب الضيق : (رَبِّي) أي المربي لي (أَهانَنِ) فيهتم لذلك ويضيق به ذرعا ، ويكون ذلك أكبر همه.
(كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢))
ولما كان نسبة هذا إليه توبيخا وتقريعا لقصور نظره فإن الإقتار قد يؤدي إلى سعادة الدارين ، والتوسعة قد تؤدي إلى شقاوتهما ، وهذا أكثر ما يوجد ، قال ردعا عن مثل هذا القول بأعظم أدوات الزجر معللا للتوسعة والإقتار : (كَلَّا) أي إني لا أكرم بتكثير الدنيا ولا أهين بتقليلها ، لا التوسعة منحصرة في الإكرام ولا التضييق منحصر في الإهانة والصغار ، وإنما أتتهم الإهانة من حيث إنهم لا يطيعون الله ، وربما كان بالتوسعة ، وربما كانت بالإقتار ، فربما عصى فوسع عليه إهانة له ، وهذا لمن يريد سبحانه به الشقاء فيعجل له طيباته في الدنيا استدراجا ، وربما عصى فضيق عليه إكراما له لأن ذلك يكفر عنه ، وفي الصحيح في حديث أقرع وأبرص وأعمى في بني إسرائيل شاهد عظيم لذلك.
ولما زجر عن اعتقاد أن التوسعة للاكرام والتضييق للاهانة ، ذكر أن معيار من جبل على حب الطاعة ومن جبل على حب المعصية بغض الدنيا وحبها ، فقال معربا عن كلام الإنسان في الشقين وأفرد أولا لأنه أنص على التعميم وجمع ثانيا إعلاما بأن المراد الجنس (بَلْ) أي يستهينون بأمر الله بما عندهم من العصيان ، فيوسع على بعض من
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
