على أشكال مختلفة وخصائص مفترقة للجري في الهواء بما أوجد لها من القوادم والحوافي وغير ذلك من الهيئات المقابلة لذلك ، وكذا جميع العالم لو أمسك عنه حفظه طرفة عين لفسد بتهافت الأفلاك وتداعي الجبال وغيرها ، وعبر في النحل بالاسم الأعظم لأن سياقها للرد على أهل الطبائع وهم الفلاسفة الذين لا يقوم بالرد عليهم إلا المتبحر في معرفة جميع أصول الدين بمعرفة جميع معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى التي جمعها اسم الذات.
ولما كان هذا أمرا رائعا للعقل ، ولكنه لشدة الإلف صار لا يتنبه له إلا بالتنبيه ، وكان الجاهل ربما ظن أن التقدير على الطيران خاص بالطير ، نبه سبحانه على عظمة ما هيأ الطير له وعلى أنه يقدر أن يجعل ذلك لغيره بقوله مؤكدا لأجل قصور بعض العقول عن التصديق بذلك وتضمن الإشراك للطعن في تمام الاقتدار المتضمن للطعن في تمام العلم : (إِنَّهُ) أي الرحمن سبحانه (بِكُلِّ شَيْءٍ) قل أو كثر جليل وحقير ظاهر وباطن (بَصِيرٌ) بالغ البصر والعلم بظواهر الأشياء وبواطنها ، فمهما أراد كان وهو يخلق العجائب ويوجد الغرائب ، فيهيىء من أراد من الآدميين وغيرهم لمثل ذلك.
(أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٢٣))
ولما كان التقدير تقريرا لذلك : فمن يدبر مصالحكم ظاهرا وباطنا ، وفعل هذه الأنواع من العذاب بالمكذبين من قبلكم ، عطف عليه قوله عائدا إلى الخطاب لأنه أقعد في التكبيث والتوبيخ ، وأدل على أن المخاطب ليس بأهل لأن يهاب مقررا لأنه مختص بالملك : (أَمَّنْ) ونبه على أن المدبر للأشياء لا بد أن يكون في غاية القرب والشهادة لها ليكون بصيرا برعيها ، ويكون مع مزيد قربه عالي الرتبة بحيث يشار إليه ، فقال مقررا لعجز العباد : (هذَا) بإشارة الحاضر (الَّذِي) وأبرز العائد لأنه لا بد من إبرازه مع الاسم بعدم صلاحه لتحمل الضمير فقال : (هُوَ جُنْدٌ) أي عسكر وعون ، وصرف القول عن الغيبة إلى الخطاب لأنه أبلغ في التقريع فقال : (لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ) أي على من يقصدكم بالخسف والحصب وغيرهما ، ويجوز أن يكون التقدير : ألكم إله يدبر مصالحكم غيرنا أم كان الذي عذب من كذب الرسل سوانا أم لكم جند يصار إليه ينصركم دوننا كما قال تعالى (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا) [الأنبياء : ٤٣] ولكنه أخرجه مخرج الاستفهام عن تعيين الجند تعريفا بأنهم لغاية جهلهم اعتقدوا أن لهم من أجناد الأرض أو السماء من ينصرهم وإلا لما كانوا آمنين.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
