ولما كان التذكير بالإعدام ربما أوجع ، قال تعالى جابرا له وتطبيبا لقلبه نادبا إلى الإيمان بالغيب : (سَيَجْعَلُ اللهُ) أي الملك الذي له الكمال كله فلا خلف لوعده ، ونزع الجار زيادة في الخبر فقال : (بَعْدَ عُسْرٍ) أي من الأمور التي تعسرت لا أنه يجعل ذلك بعد كل عسر (يُسْراً) أي لا بد من ذلك ولا يوجد أحد يستمر التقتير عليه طول عمره في جميع أحواله ، قال القشيري : وانتظار اليسر من الله صفة المتوسطين في الأحوال الذين انحطوا عن درجة الرضى واستواء وجود السبب وفقده وارتقوا عن حد اليأس والقنوط ويعيشون في أفناء الرجاء ويتعللون بحسن المواعيد ـ انتهى. ولقد صدق الله وعده فيمن كانوا موجودين حين نزول الآية ، ففتح عليهم جميع جزيرة العرب ثم فارس والروم وانتثلوا كنوزها حتى صاروا أغنى الناس ، وصدق الآية دائم غير أنه كان في الصحابة رضي الله تعالى عنهم أبين لأن إيمانهم أتم.
(وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً (٨) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً (٩) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠))
ولما كان الأمر قد بلغ النهاية في الأحكام والمواعظ والترغيب لمن أطاع ، فلم يبق إلا التهديد لمن عصى بما شوهد من المثلات وبالغ العقوبات ، فإن من الناس البليد الذي لا يتعظ بما يرى ، وكان التقدير : فكأي من ناس كانوا في غاية الضيق فأطاعوا أوامرنا فجعلناهم في غاية السعة بل جعلناهم ملوكا ، عطف عليه تزهيدا في الرفاهية بأنها تطغى في الأغلب ، وتهديدا لأهل المعاصي قوله مفيدا لكثرة القرى الخارجة عن الحد : (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ) أي مدينة كبيرة جامعة ، عبر عن أهلها بها مبالغة (عَتَتْ) أي استكبرت وجاوزت الحد في عصيانها وطغيانها فأعرضت عنادا (عَنْ أَمْرِ رَبِّها) أي الذي أحسن إليها ولا محسن إليها غيره بكثرة الرزق وطيب العيش واللطف في التربية والرحمة بعد الإيجاد والملك (وَرُسُلِهِ) فلم يقبل منهم ما جاؤوها به عن الله ، فإن طاعتهم من طاعة الله.
ولما كانت محاسبة مثل هؤلاء للإهلاك لأن الحساب هو ذكر الأعمال والمجازاة عليها بما يحق لكل منها ، قال ملتفتا إلى مقام التكلم في مظهر العظمة : (فَحاسَبْناها) أي فتسبب عن عدم شكرهم للإحسان أن أحصينا أعمالها. ولما كان ذلك على وجه المناقشة على النقير والقطمير بالمجازاة على كل فعل بما يليق به قال : (حِساباً شَدِيداً) بمعناه المطابقي من ذكر الأعمال كلها والمجازاة عليها ، وهذا هو المناقشة وهي أن العامل إذا أثر أثرا بعمله هو كالنقش في الجامد أثر المجازي له فيه أثرا بحسب عمله
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
