أوجدكم ودرجكم في مدارج التربية حيث طوركم في أطوار الخلقة في الرحم ويسر لكم بعد خروجكم الخروج اللين حيث كانت المعدة ضعيفة عن أكثف منه.
ولما كان من أعظم النعم الجليلة بعد الإيجاد العقل ، أتبعه به ، وبدأ بطريق تنبيهه فقال : (وَجَعَلَ لَكُمُ) أي خاصة مسببا عن الجسم الذي أنشأه (السَّمْعَ) أي الكامل لتسمعوا ما تعقله قلوبكم فيهديكم ، ووحده لقلة التفاوت فيه ليظهر سر تصرفه سبحانه في القلوب بغاية المفاوتة مع أنه أعظم الطرق الموصلة للمعاني إليها (وَالْأَبْصارَ) لتنظروا صنائعه فتعتبروا وتزدجروا عما يرديكم (وَالْأَفْئِدَةَ) أي القلوب التي جعلها سبحانه في غاية التوقد بالإدراك لما لا يدركه بقية الحيوان لتتفكروا فتقبلوا على ما يعليكم ، وجمعا لكثرة التفاوت في نور الأبصار وإدراك الأفكار ، وهذا تنبيه على إكمال هذه القوى في درك الحقائق بتلطيف السر لتدقيق الفكر ، قال الشيخ ولي الدين الملوي : انظر إلى الأفئدة كيف تحكم بأن الاثنين أكثر من الواحد ، وأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في آن واحد ، وأن الضدين لا يجتمعان ـ وغير ذلك مما لا يخفى.
ولما كان التقدير : فمشيتم مشي المكب على وجهه فلم تستعملوا شيئا من هذه الأسرار الشريفة فيما خلق له ، كانت ترجمة ذلك : (قَلِيلاً) وأكد المعنى بما صورته صورة النافي فقال : (ما) ولما زاد تشوف النفس إلى العامل في وصف المصدر دل عليه سبحانه وتعالى بقوله : (تَشْكُرُونَ) أي توقعون الشكر لمن أعطاكم ما لا تقدرون قدره باستعماله فيما خلق لأجله وأنكم تدعون أنكم أشكر الناس للإحسان وأعلاهم في العرفان.
(قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧))
ولما دل سبحانه على بعدهم عن الهداية وعن الشكر اللذين يفخرون على الناس كافة بكل منهما ، واستعطفهم بما أودع فيهم من اللطائف الربانية الروحانية المقتضية بنورانيتها للعروج إلى مواطن القدس ومعادن الأنس ، دل على قدرته على حشرهم تحذيرا لهم من التمادي في الإعراض بمعنى يجده كل منهم في نفسه على وجه دال على كمال قدرته بما أودع فيهم مع تلك اللطائف من كثائف طباع الأرض الموجبة للسفول ليكون ـ إذا أعلته تلك اللطائف بالتوبة ـ مجتهدا في تنقية آثار تلك الكثائف المسفلة كما يكون للزرع إذا حصد من بقايا تلك الجذر التي إن لم تقلع من أصلها عادت بالنبات إلى
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
