شاقا شديدا يعلوه ويغلبه ويصعد عليه ، ويكون كل يوم أعلى مما قبله جزاء وفاقا ، فإن الإعراض كلما تمادى زمانه كان أقوى مما كان.
ولما كان التقدير : لأنه أوحى إليّ أن الأمر على ما تتعارفونه بينكم من أن من خدم غير سيده عذبه أبدا ، عطف عليه قوله مبينا لسيرة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام وما يجب لهم من الكمال الذي يكون بقوتي العلم والعمل ، والتكميل الذي يكون بهما مع قوة البيان ، ومن لم يكن كاملا لم يتصور منه تكميل ليكون له ولد قلب كما أن من لم يكن بالغا لم يتحقق منه ولد صلب ، ومبينا لما يجوز عليهم وما يستحيل منهم وما لله تعالى من العناية بشأنهم : (وَأَنَ) أي وأوحى إليّ أن (الْمَساجِدَ) أي مواضع السجود من العالم الآفاقي من الأرض ومن العالم النفسي من الجسد ـ كما قاله سعيد بن جبير وطلق بن حبيب (لِلَّهِ) أي مختصة بالملك الأعظم (فَلا تَدْعُوا) أي بسبب ذلك أيها المخلوقون على وجه العادة (مَعَ اللهِ) أي الذي له جميع العظمة (أَحَداً) لأن من تعبد لغير سيده في ملك سيده الذي هو العالم الآفاقي وبآلة سيده الذي هو العالم النفسي كان أشد الناس لوما وعقوبة فكيف يليق بكم أن يخلق لكم وجها ويدين ورجلين وأرضا تنتفعون بها وسماء تتم نفعها فتسجدون بالأعضاء التي أوجدها لكم في الأرض التي أمكنكم من الانتفاع بها تحت السماء التي أتم منافعها بها لغيره فتكونون قد صرفتم نعمة السيد التي يجب شكره عليها لغيره أيفعل هذا عاقل؟ قال البغوي : فإن جعلت المساجد مواضع الصلاة فواحدها بكسر الجيم ، وإن جعلتها الأعضاء فواحدها بفتح الجيم.
(وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢))
ولما كان من يدعو سيده وينقطع إليه عاملا للواجب عليه اللائق بأمثاله لا ينكر عليه ولا يعجب منه ، إنما يعجب ممن دعا غير سيده أو مال إليه أدنى ميل فيسأل عن سببه ، قال معجبا من القاسطين من الجن والإنس : (وَأَنَّهُ) أي أوحي إليّ أو قال الجن لمن أطاعهم من قومهم حاكين ما رأوا من صلاته صلىاللهعليهوسلم وازدحام أصحابه عليه متعجبين من ذلك أن الشأن أو القصة العظيمة العجيبة (لَمَّا) قمت كادوا يكونون عليّ ـ هكذا كان الأصل ولكنه عبر بالعبد كما تقدم من أن من دعا سيده ولو كان ذلك السيد أحقر الموجودات لا يفعل به ذلك ، فكيف إذا كان سيده مالك الملك وملك الملوك (قامَ عَبْدُ اللهِ) أي عبد الملك الأعلى الذي له الجلال كله والجمال فلا موجود يدانيه بل كل موجود من فائض فضله (يَدْعُوهُ) أي يدعو سيده دعاء عبادة من حيث كونه عبده ومن حيث كون سيده يسمع من دعاه ويجيبه.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
