للوليد هذا عشرة من البنين ، كل واحد منهم كبير قبيلة ، ولهم عبيد يسافرون في تجاراتهم ويعملون احتياجاتهم ، ولا يحوجونهم إلى الخروج من البلد لتجارة ولا غيرها ، وأسلم منهم ثلاثة : الوليد بن الوليد وخالد وهشام ، وقيل : إنه لما نزل على النبي صلىاللهعليهوسلم أول سورة غافر إلى قوله (الْمَصِيرُ) [غافر : ٣] أو أول «فصلت» قرأها النبي صلىاللهعليهوسلم في المسجد والوليد يسمعه ، فأعاد القراءة فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم ، قال : والله لقد سمعت من محمد صلىاللهعليهوسلم آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن ، إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمعذق ، وإنه ليعلو ولا يعلى ، ثم انصرف فقالت قريش : صبا والله الوليد ، والله لتصبون قريش كلها ، وكان يقال للوليد ريحانة قريش فقال ابن أخيه أبو جهل : أنا أكفيكموه ، فقعد إلى جنب الوليد حزينا ، فقال الوليد : ما لي أراك حزينا يا ابن أخي؟ قال : وما يمنعني وهذه قريش تجمع لك نفقة تعينك بها على كبر سنك وتزعم أنك صبوت ، لتدخل على ابن أبي كبشة وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهم ، فغضب الوليد وقال : ألم تعلم قريش أني من أكثرها مالا وولدا ، وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام فيكون لهم فضل؟ ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه وأداروا الرأي فيما يقولونه في القرآن فقالوا له : ما تقول في هذا الذي جاء به محمد صلىاللهعليهوسلم؟ قال : قولوا أسمع لكم ، قالوا : شعر ، قال : ليس بشعر ، قد علمنا الشعر كله ، وفي رواية : هل رأيتموه يتعاطى شعرا؟ قالوا : كهانة ، قال : ليس بكهانة ، هل رأيتموه يتكهن؟ فعدوا أنواع البهت التي رموا بها القرآن فردها ، وأقام الدليل على ردها ، وقال : لا تقولوا شيئا من ذلك إلا أعلم أنه كذب ، قالوا : فقل أنت وأقم لنا فيه رأيا نجتمع عليه ، قال : أقرب ذلك إليه السحر ، هو يفرق بين المرء وأبيه وبين المرء وزوجه وعشيرته ، فافترقوا على ذلك ، وكان قوله هذا سبب هلاكه فكان كما قال بعضهم :
|
احفظ لسانك أيها الإنسان |
|
لا يلدغنك إنه ثعبان |
|
كم في المقابر من قتيل لسانه |
|
كانت تخاف لقاءه الشجعان |
(سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠))
ولما انقضى بيان عناده فحصل التشوف لتفصيل جزائه في معاده ، قال مبينا لبعض ما أفهمه إرهاقه الصعود : (سَأُصْلِيهِ) أي بوعيد لا بد منه عن قرب (سَقَرَ) أي الدركة النارية التي تفعل في الأدمغة من شدة حموها ما يجل عن الوصف ، فأدخله إياها وألوّحه في الشدائد حرها وأذيب دماغه بها ، وأسيل ذهنه وكل عصاراته بشديد حرها
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
