يلزمه شيء ، أتبعه ما ينفيه ويفيد أن له غاية التصرف فلا يعسر عليه شيء أراده فقال : (وَإِنَّ لَنا) أي يا أيها المنكرون خاصا بنا ، وقدم ما العناية به أشد لأجل إنكارهم لا للفاصلة ، فإنه يفيدها مثلا أن يقال : للعاجلة والأخرى ، فقال : (لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى ) فمن ترك ما بينا له من طريق الهداية لم يخرج عن كونه لنا ولم يضر إلا نفسه ولنا التصرف التام ، بما نقيم من الأسباب المقربة للشيء جدا ، ثم بما نقيم من الموانع الموجبة لبعده غاية البعد ، فنعطي من نشاء ما نشاء ونمنع من نشاء ما نشاء ، ومن طلب منهما شيئا من غيرنا فال رأيه وخاب سعيه ، وليس التقديم لأجل الفاصلة ، فقد ثبت بطلان هذا وأنه لا يحل اعتقاده في غير موضع ، منها آخر سورة براءة ، وأنه لا فرق بين أن يعتقد أن فيه شيئا موزونا بقصد الوزن فقط ليكون شعرا ، وأن يعتقد أن فيه شيئا قدم أو أخر لأجل الفاصلة فقط ليكون سجعا ، على أنه لو كان هذا لأجل الفاصلة فقط لكان يمكن أن يقال : للأولى ـ أو للأولة ـ والأخرى مثلا.
ولما أخبر سبحانه وتعالى أنه ألزم نفسه المقدس البيان ، وأن له كل شيء ، المستلزم لإحاطة العلم وشمول القدرة ، شرح ذلك بما سبب عنه من قوله لافتا القول إلى تجريد الضمير من مظهر العظمة للترقق بالمخاطبين في تبعيد الوهم وتقريب الفهم فقال : (فَأَنْذَرْتُكُمْ) أي حذرتكم أيها المخالفون للطريق الذي بينته (ناراً تَلَظَّى) أي تتقد وتتلهب تلهبا هو في غاية الشدة من غير كلفة فيه على موقدها أصلا ولا أحد من خزنتها ـ بما أشار إليه إسقاط التاء ، وفي الإدغام أيضا إشارة إلى أن أدنى نار الآخرة كذلك ، فيصير إنذار ما يتلظى وما فوق ذلك من باب الأولى.
ولما كان قد تقدم غير مرة تخصيص كل من المحسن والمسيء بداره بطريق الحصر إنكارا لأن يسوى محسن بمسيء في شيء ، وكان الحصر ب «لا» و «إلا» أصرح أنواعه قال : (لا يَصْلاها) أي يقاسي حرها وشدتها على طريق اللزوم والانغماس (إِلَّا الْأَشْقَى) أي الذي هو في الذروة من الشقاوة وهو الكافر ، فإن الفاسق وإن دخلها لا يكون ذلك له على طريق اللزوم ، ولذلك وصفه بقوله تعالى : (الَّذِي كَذَّبَ) أي أفسد قوته العلمية بأن أعرض عن الحق تكبرا وعنادا فلم يؤت ماله لزكاة نفسه (وَسَيُجَنَّبُهَا) أي النار الموصوفة بوعد لا خلف فيه عن قرب ـ بما أفهمته السين من التأكيد مع التنفيس ، وتجنيبه له في غاية السهولة ـ بما أفهمه البناء للمفعول (الْأَتْقَى) أي الذي أسس قوته العلمية أمكن تأسيس ، فكان في الذروة من رتبة التقوى وهو الذي اتقى الشرك والمعاصي ، وهو يفهم أن من لم يكن في الذروة لا يكون كذلك ، فإن الفاسق يدخلها ثم يخرج منها ، ولا ينافي الحصر السابق.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
