والمياه كانت مع الناس وهم لا يشعرون بها كما أنه يجوز أن تكون القيامة كذلك سواء بسواء ، قال ذاكرا للمقسم عليه مؤكدا لأجل إنكارهم : (إِنَّما) أي الذي (تُوعَدُونَ) أي من العذاب في الدنيا والآخرة ومن قيام الساعة ومن البشائر لأهل الطاعة ، وبناه للمفعول لأنه المرهوب لا كونه من معين مع أنه معروف أنه مما توعد به الله على لسان محمد صلىاللهعليهوسلم (لَواقِعٌ) أي كائن لا بد من وقوعه وأسبابه عتيدة عندكم وإن كنتم لا ترونها كما في هذه الأشياء التي أقسم بها وما تأثر عنها.
(فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩))
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : أقسم تعالى بالملائكة المتتابعين في الإرسال ، والرياح المسخرة ، وولايته بالمطر والملائكة الفارقة بمائه بين الحق والباطل ، والملقيات الذكر بالوحي إلى الأنبياء إعذارا من الله وإنذارا ، أقسم تعالى بما ذكر من مخلوقاته على صدق الموعود به في قوله : (إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً) [الإنسان : ٤] الآيات وقوله : (إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً) [الإنسان : ١٠] وقوله : (وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً) [الإنسان : ١٢] الآيات إلى (وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً) [الإنسان : ٢٢] وقوله : (وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً) [الإنسان : ٢٧] وقوله : (يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) [الإنسان : ٣١] ولو لم يتقدم إلا هذا الوعد والوعيد المختتم به السورة لطابقه افتتاح الأخرى قسما عليه أشد المطابقة ، فكيف وسورة (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ) [الإنسان : ١] مواعد أخراوية وإخبارات جزائية ، فأقسم سبحانه وتعالى على صحة الوقوع ، وهو المتعالي الحق وكلامه الصدق ـ انتهى.
ولما كان من المعلوم أنهم يقولون استهزاء : متى هو؟ وكان وقته مما استأثر الله بعلمه لأن إخفاءه عن كل أحد أوقع في النفوس وأهيب عند العقول ، سبب عن ذلك قوله ذاكرا ما لا تحتمله العقول لتزداد الهيبة ويتعاظم الخوف معبرا بأداة التحقق : (فَإِذَا النُّجُومُ) أي على كثرتها (طُمِسَتْ) أي أذهب ضوءها بأيسر أمر فاستوت مع بقية السماء ، فدل طمسها على أن لفاعله غاية القدرة ، وأعاد الظرف تأكيدا للمعنى زيادة في التخويف فقال : (وَإِذَا السَّماءُ) أي على عظمتها (فُرِجَتْ) أي انشقت فخربت
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
