سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦))
ولما ذكر النوم ، اتبعه وقته الأليق به مذكرا بنعمة الظرف الزماني بعد التذكير بالظرف المكاني ، فقال دالا بمظهر العظمة على عظمه : (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ) أي بعد ذهاب الضياء حتى كأنه لم يكن (لِباساً) أي غطاء وغشاء ساترا بظلمته ما أتى عليه عن العيون كما يستره اللباس لتسكنوا فيه عن المعاش (وَجَعَلْنَا النَّهارَ) أي الذي آيته الشمس (مَعاشاً) أي وقتا للتقلب الذي هو من أسباب التحصيل الذي هو من أسباب المعاش ، وهو العيش ووقته وموضعه ، ومظهرا لما ستره الليل ، فالآية من الاحتباك : ذكر اللباس أولا دليلا على حذف ضده ثانيا والمعاش ثانيا دليلا على حذف ضده أولا.
ولما ذكر المهاد وما فيه ، أتبعه السقف الذي بدورانه يكون الوقت الزماني وما يحويه من القناديل الزاهرة والمنافع الظاهرة لإحياء المهاد ومن فيه من العباد فقال : (وَبَنَيْنا) أي بناء عظيما (فَوْقَكُمْ) أي عاما لجميع جهة الفوق ، وهي عبارة تدل على الإحاطة (سَبْعاً) أي من السماوات (شِداداً) أي هي في غاية القوة والإحكام ، لا صدع فيها ولا فتق ، لا يؤثر فيها كر العصور ولا مر الدهور ، حتى يأتي أمر الله بإظهار عظائم المقدور.
ولما ذكر السقف ، ذكر بعض ما فيه من أمهات المنافع فقال دالا بمظهر العظمة على عظمها : (وَجَعَلْنا) أي مما لا يقدر عليه غيرنا (سِراجاً) أي نجما منيرا جدا (وَهَّاجاً) أي هو مع تلألئه وشدة ضيائه حار مضطرم الاتقاد وهو الشمس ، من قولهم : وهج الجوهر : تلألأ ، والجمر : اتقد.
ولما ذكر ما يمحق الرطوبة بحرارته ، أتبعه ما يطفىء الحرارة برطوبته وبرودته فينشأ عنه المأكل والمشرب ، التي بها تمام الحياة ويكون تولدها من الظرف بالمهاد والسقف ، وجعل ذلك أشبه شيء بما يتولد بين الزوجين من الأولاد ، فالسماء كالزوج والأرض كالمرأة ، والماء كالمني ، والنبات من النجم والشجر كالأولاد فقال : (وَأَنْزَلْنا) أي مما يعجز غيرنا (مِنَ الْمُعْصِراتِ) أي السحائب التي أثقلت بالماء فشارفت أن يعصرها الرياح فتمطر كما حصد الزرع ـ إذا حان له أن يحصد ، قال الفراء : المعصر : السحابة التي تتحلى بالمطر ولا تمطر كالمرأة المعصرة وهي التي دنا حيضها ولم تحض ، وقال الرازي : السحائب التي دنت أن تمطر كالمعصرة التي دنت من الحيض (ماءً ثَجَّاجاً) أي منصبا بكثرة يتبع بعضه بعضا ، يقال : ثجه وثج بنفسه.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
