الحال من الحراسة ، وأطلقوا «الآن» على الثاني كله ، لأنهم أرادوا وقت قولهم فقط أو أرادوه لأنهم لا يعلمون ما بعده فيجوزون أن يكون الحال فيه على غير ذلك (يَجِدْ لَهُ) أي لأجله (شِهاباً) أي شعلة من نار ساطعة محرقة.
ولما كان الشهاب في معنى الجمع لأن المراد أن كل موضع منها كذلك ، وصفه باسم الجمع فقال : (رَصَداً) أي يرصده الرامون به من غير غفلة ، ويجوز أن يكون مصدرا على المبالغة كرجل عدل ، والرصد الترقب لأنه لما كان لا تأخر عن رميه عند الدنوّ من السماء كان كأنه هو الراصد له ، المراقب لأمره ، الملاحظ الذي لا فتور عنده ولا غفلة بوجه بل هو الرصد وهو المعنى بنفسه ، فمتى تسنم للاستماع رمي به فيمنعه من الاستماع وإن أدركه أحرقه ، وأما السمع فقد امتنع لقوله تعالى و (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) [الشعراء : ٢١٢].
(وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (١٣))
ولما أخبروا عن إيمانهم أنه كان عقب سماعهم من غير توقف ، ثم ذكروا منعهم من الاستراق ، ذكروا أنه اشتبه عليهم المنع فلم يعلموا سره دلالة على أن جهل بعض المسائل الفرعية لا يقدح ، وندبا إلى رفع الهمة عن الخوض في شيء بغير علم ، وحثا على التفويض إلى علام الغيوب ، فبينوا الذي حملهم على ضرب مشارق الأرض ومغاربها حتى وجدوا النبي صلىاللهعليهوسلم يقرأ القرآن : فقالوا مؤكدين لأن العرب كانوا ينسبونهم إلى علم المغيبات وحل المشكلات : (وَأَنَّا لا نَدْرِي) أي بوجه من الوجوه وإن دافعنا واجتهدنا (أَشَرٌّ) ولما كان المحذور نفس الإرادة الماضية لا كونها من معروف مع أن الفاعل معروف ، وهو الفاعل المختار الذي له الإرادة الماضية النافذة ، بنوا للمفعول قولهم : (أُرِيدَ) معلمين للأدب في أن الشر يتحاشى من إسناده إليه سبحانه حيث لا إشكال في معرفة أنه لا يكون شيء إلا به (بِمَنْ فِي الْأَرْضِ) أي بهذه الحراسة فينشأ عنها الغي (أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ) أي المحسن إليهم المدبر لهم ، بنوه للفاعل في جانب الخير إعلاما مع تعليم الأدب بأن رحمته سبقت غضبه ، وإشارة إلى أنه قد يكون أراد بهذا المنع الخير (رَشَداً) أي سدادا فينشأ عنه الخير ، فالآية من الاحتباك : ذكر الشر أولا دليلا على الخير ثانيا ، والرشد ثانيا دليلا على الغنى أولا.
ولما أخبر سبحانه بسهولة إيمانهم ، فكان ربما ظن أن ذلك ما كان إلا لأن شأنهم
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
