صنفت هذه الكتاب وما ألوت فيها جهدا وإني لأعلم أن فيها الخطأ لأن الله تعالى يقول : (وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) [النساء : ٨٢].
ولما كان التقدير : فكان منه سبحانه المبدأ ، عطف عليه قوله : (وَإِلَيْهِ) أي وحده (الْمَصِيرُ) أي بعد البعث بعين القدرة التي قدر بها على البدأة فمن كان على الفطرة الأولى لم يغيرها أدخله الجنة ، ومن كان قد أفسدها فجعل روحه نفسا بما طبعها به من حيث جسده أدخله النار ، وفي الدنيا أيضا بانفراده بالتدبير ، فلا يكون من الملك والسوقة إلا ما يريد ، لا ما يريد ذلك المريد الفاعل.
(يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥))
ولما تقرر بما مضى إحاطة قدرته بما دل على ذلك من إبداعه للخلق على هذا الوجه المحكم وشهد البرهان القاطع بأن ذلك صنعه وحده ، لا فعل فيه لطبيعة ولا غيرها ، دل على أن ذلك بسبب شمول علمه إشارة إلى أن من لم يكن تام العلم فهو ناقص القدرة فقال : (يَعْلَمُ) أي علمه حاصل في الماضي والحال والمآل يتعلق بالمعلومات على حسب تعليق قدرته على وفق إرادته بوجدانها (ما) أي الذي أو كل شيء (فِي السَّماواتِ) كلها.
ولما كان الكلام بعد قيام الدليل القطعي البديهي على جميع أصول الدين مع الخلص لأن بداهة الأدلة قادتهم إلى الاعتقاد أو إلى حال صاروا فيه أهلا للاعتقاد ، والتحلي بحلية أهل السداد ، ولم يؤكد بإعادة الموصول بل قال : (وَالْأَرْضِ) ولما ذكر حال الظرف على وجه يشمل المظروف ، وكان الاطلاع على أحوال العقلاء أصعب ، قال مؤكدا بإعادة العامل : (وَيَعْلَمُ) أي على سبيل الاستمرار (ما تُسِرُّونَ) أي حال الانفراد وحال الخصوصية مع بعض الإفراد. ولما كانت لدقتها وانتشارها بحيث ينكر بعض الضعفاء الإحاطة بها ، وكان الإعلان ربما خفي لكثرة لغط واختلاط أصوات ونحو ذلك أكد فقال : (وَما تُعْلِنُونَ) من الكليات والجزئيات خلافا لمن يقول : يعلم الكليات فقط ولا يعلم الجزئيات إلا بعد وجودها ، من فلسفي وغيره ، ولمن يقول : يعلم الكليات خاصة. ولما ذكر حال المظروف على وجه يشمل ظروفه وهي الصدور ، وكان أمرها أعجب من أمر غيرها ، قال مصرحا بها إشارة إلى دقة أمرها مظهرا موضع الإضمار تعظيما : (وَاللهُ) أي الذي له الإحاطة التامة لكل كمال (عَلِيمٌ) أي بالغ العلم (بِذاتِ) أي صاحبة (الصُّدُورِ) من الأسرار والخواطر التي لم تبرز إلى الخارج
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
