القدرة بل تقودها الملائكة ، فكلما عالجوها ذهابا وإيابا حصل للناس من ذلك من الهول ما لا يعلمه إلا الله تعالى ، وكان المهول نفس المجيء بها لا تعيين الفاعلين ، لذلك بني للمفعول قوله : (وَ) جاءأي بأسهل أمر (يَوْمَئِذٍ) أي إذ وقع ما ذكر (بِجَهَنَّمَ) أي النار التي تتجهم من يصلاها ، روي أنه يؤتى بها لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك ، وهو كقوله تعالى : (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى) [النازعات : ٣٦] وأبدل من «إذا» توضيحا لطول الفصل وتهويلا قوله : (يَوْمَئِذٍ) أي إذ وقعت هذه الأمور فرأى الإنسان ما أعد للشاكرين وما أعد للكافرين.
ولما قدم هذه الأمور الجليلة والقوارع المهولة اهتماما بها وتنبيها على أنها ، لما لها من عظيم الموعظة ، جديرة بأن يتعظ بها كل سامع ، ذكر العامل في ظرفها وبدله فقال : (يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ) أي على سبيل التجديد والاستمرار فيذكر كل ما كان ينفعه في الدنيا وما يضره فيعلم أن حبه للدنيا لم يفده إلا خسارا ، لا زاد بحبها شيئا لم يكتب له ولا كان ينقصه بذلها شيئا كما كتب له أو بذلها ، وإذا تذكر ذلك هان عليه البذل ، وليست تلك الدار دار العمل ، فلذلك قال : (وَأَنَّى) أي كيف ومن أي وجه (لَهُ الذِّكْرى ) أي نفع التذكر العظيم فإنه في غير موضعه ، فلا ينفعه أصلا بوجه من الوجوه لفوات دار العمل ، ولا يقع بذلك على شيء سوى الندم وتضاعف الغم والهم والآلام.
ولما كان الندم يقتضي أن يعمل الإنسان ما ينافيه ، بين أنه ليس هناك عمل إلا إظهار الندم فاستأنف قوله : (يَقُولُ) أي متمنيا المحال على سبيل التجديد والاستمرار : (يا لَيْتَنِي) وهل ينفع شيئا «ليت» (قَدَّمْتُ) أي أوقعت التقديم لما ينفعني من الجد والعمل به (لِحَياتِي) أي أيام حياتي في الدنيا أو لأجل حياتي هذه الباقية التي لا موت بعدها ، ويمكن أن يكون سبب تمنيه هذا علمه بأنه كان في الدنيا مختارا ، وأن الطاعات في نفسها كانت ممكنة لا مانع له منها في الظاهر إلا صرف نفسه عنها وعدم تعليق ما أتاه الله من القوى بها.
ولما كان هذا غير نافع له ، سبب عنه قوله : (فَيَوْمَئِذٍ) أي إذ وقعت هذه الأمور كلها (لا يُعَذِّبُ) أي يوقع (عَذابَهُ) أي عذاب الله ، أي مثل عذابه المطلق المجرد فكيف بتعذيبه. ولما اشتد التشوف إلى الفاعل ، أتى به على وجه لا أعم منه أصلا فقال : (أَحَدٌ).
ولما جرت العادة بأن المعذب يستوثق منه بسجن أو غيره ، ويمنع من كل شيء يمكن أن يقتل به نفسه ، خوفا من أن يهرب أو يهلك نفسه قال : (وَلا يُوثِقُ) أي يوجد (وَثاقَهُ) أي مثل وثاقه فكيف بإيثاقه (أَحَدٌ) والمعنى أنه لا يقع في خيال أحد لأجل
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
