هو أهل لأن يتعظ به المتعظ ويعتبر به المعتبر ، ولا سيما ما ذكر فيها بأهل الكفر من أنواع العقاب. ولما كان سبحانه قد جعل للإنسان عقلا يدرك به الحسن والقبيح ، واختيارا يتمكن به من اتباع ما يريد فلم يبق له مانع من جهة اختيار الأصلح والأحسن إلا قسر المشيئة التي لا اطلاع له عليها ولا حيلة له فيها ، سبب عن ذلك قوله : (فَمَنْ شاءَ) أي التذكر للاتعاظ (اتَّخَذَ) أي أخذ بغاية جهده (إِلى رَبِّهِ) أي خاصة ، لا إلى غيره (سَبِيلاً) أي طريقا يسلبه حظوظه لكونه لا لبس فيه ، فيسلك على وفق ما جاءه من التذكرة ، وذلك الاعتصام حال السير بالكتاب والسنة على وفق ما اجتمعت عليه الأمة ، ومتى زاغ عن ذلك هلك.
(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠))
ولما كان ربما تغالى بعض الناس في العبادة وشق على نفسه ، وربما شق على غيره ، أشار سبحانه وتعالى إلى الاقتصاد تخفيفا لما يلحق الإنسان من النصب ، مشيرا إلى ما يعمل حالة اتصال الروح بالجسد وهي حالة الحياة ، لأن منفعتها التزود من كل خير لما أدناه هول المقابر ، فإن الروح في غاية اللطافة ، والجسد في غاية الكثافة ، لأنها من عالم الأمر ، وهو ما يكون الإيجاد فيه بمرة واحدة من غير تدريج وتطوير والجسد من عالم الخلق فهي غريبة فيه تحتاج إلى التأنيس وتأنيسها بكل ما يقربها إلى العالم الروحاني المجرد عن علائق الأجسام ، وذلك بصرف القلب كله عن هذه الدنايا والتلبس بالأذكار والصلوات وجميع الأعمال الصالحات ، فإن ذلك هو المعين على اتصالها بعالمها العالي العزيز الغالي ، وأعون ما يكون على ذلك الحكمة ، وهي العدل في الأعمال والاقتصاد في الأقوال والأفعال ، فقال مستأنفا الجواب عن تيسير السبيل وبنائه على الحنيفية السمحة بحيث صار لا مانع منه إلا يد القدرة (إِنَّ رَبَّكَ) أي المدبر لأمرك على ما يكون إحسانا إليك ورفقا بك وبأمتك (يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ) أي في الصلاة كما أمرت به أول السورة.
ولما كانت كثرة العمل ممدوحة وقلته بخلاف ذلك ، استعار للأقل قوله : (أَدْنى) أي زمانا أقل ، والأدنى مشترك بين الأقرب ، والأدون للأنزل رتبة لأن كلّا منهما يلزم منه
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
