أقسام ، فإن نفي الإقسام بها بما ذكر من نقائصها ـ كالإقسام ـ بها مع بيان أن المقسم عليه أعظم منها بما لا يقايس : (إِنَّهُ) أي هذا الذكر الذي تقدم في عبس بعض ما يستحق من الأوصاف الجميلة والنعوت الجليلة (لَقَوْلُ رَسُولٍ) وهو جبريل عليه الصلاة والسّلام نحن أرسلناه به إلى خير خلقنا وجعلناه بريدا بيننا وبينه لاقتضاء الحكمة ذلك ، وهي أن يكون خلاصة الخلق ذا جهتين : واحدة ملكية يتلقى بها من الملائكة عليهمالسلام لكون غيره من البشر لا يطيق ذلك ، وأخرى بشرية يتلقى بها منه المبعوث إليهم ، ومن المعلوم أن الرسول إنما وظيفته تبليغ ما أرسل به فهو سفير محض ، والذي أوحاه وإن كان قوله لكونه نطق به وبلغه من غير مشاركة شيطان ولا غيره هو قول الله من غير شك لكونه معبرا عن الصفة القديمة النفسية ، ولو كان قول الرسول مستقلا به لما كان لوصفه بالرسالة مدخل فما كانت البلاغة تقتضي ذكره بالوصف.
ولما بين بوصف الرسالة أنه ليس بقوله إلا لكونه مرسلا به ومبلغا له ، وأنه في الحقيقة قول من أرسله ، وصفه بما أفهمه الوصف مما يوجب حفظه من غير تحريف ما ولا تغيير أصلا بوجه من الوجوه ، وذلك ببيان منزلته عند الله ووجاهته وبيان قدره ونفوذ كلمته فقال : (كَرِيمٍ) أي انتفت عنه وجوه المذام كلها وثبتت له وجوه المحامد كلها ، فهو جواد شريف النفس ظاهر عليه معالي الأخلاق بريء من أن يلم شيء من اللوم بساحته ، فلذلك هو يفيض الخيرات بإذن ربه على من أمر به العالمين ، فيؤدي ما أرسل به كما هو لقيامه بالرسالة قيام الكرام فلم يغير فيها شيئا أصلا ولا فرط حتى يمكن غيره أن يحرف أو يغير ، والكرم اجتماع كمالات الشيء اللائقة به.
(ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩))
ولما اقتضى هذا القوة ، صرح به تأكيدا فقال : (ذِي قُوَّةٍ) أي على ضبط ما أرسل به بنفسه وعلى المدافعة للغير عن أن يدخل فيه شيئا من نقص ، وأكد القوة بقوله : (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ) أي الملك الأعلى المحيط عرشه بجميع الأكوان الذي لا عندية في الحقيقية إلا له (مَكِينٍ) أي بالغ المكنة عنده عظيم المنزلة جدا بليغ فيها فهو بحيث لا يتأتى منه تفريط ما في إبلاغ شيء مما أرسل به لأنه لا يغيره الأحوال ولا يعمل فيه تضاد الشهوات ، لأنه لا شهوة له إلّا ما يأمر به مرسله سبحانه وتعالى.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
