فقال موحدا منكرا مع الدلالة على تعظيمها : (أُذُنٌ) أي عظيمة النفع (واعِيَةٌ) أي من شأنها أن تحفظ ما ينبغي حفظه من الأقوال والأفعال الإلهية والأسرار الربانية لنفع عباد الله كما كان نوح عليهالسلام ومن معه وهم قليل سببا لإدامة النسل والبركة فيه حتى امتلأت منه الأرض. والوعي : الحفظ في النفس ، والإيعاء : الحفظ في الوعاء ، وفي ذلك توبيخ للناس بقلة الواعي منهم ، ودلالة على أن الأذن الواحدة إذا غفلت عن الله تعالى فهي السواد الأعظم ، وما سواها لا يبالي بهم الله بالة ـ قاله الأصبهاني والزمخشري وغيرهما.
ولما ذكر القيامة وهول أمرها بالتعبير بالحاقة وغيرها ، ودل على قدرته عليها وعلى حكمته بقصص من ذكر على الوجه الذي مر إلى أن ختم بالذين كانت قصتهم أشبه تلك القصص بالقيامة من حيث أن أمر الله فيها عم أهل الأرض وفي زمن يسير ، وكان الناجون منها بالنسبة إلى المهلكين كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ، سبب عن جميع ما مضى قوله شرحا لأمرها : (فَإِذا نُفِخَ) وبنى الفعل للمجهول دلالة على هوان ذلك عليه وأنه ما تأثر عنه لا يتوقف على نافخ معين بل من أقامه من جنده لذلك تأثر عنه ما يريده وذكره وإن كان المسند إليه مؤنثا للفصل ولكونه غير حقيقي التأنيث وللدلالة على قوة النفخ (فِي الصُّورِ) أي القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليهالسلام كأنه عبر عنه به دون القرن مثلا لأنه يتأثر عنه تارة إعدام الصور وتارة إيجادها وردها إلى أشكالها سعة فمه كما بين السماء والأرض ، وأسند الفعل إلى المصدر ليفيده بادىء بدء لا ليؤكده وإن كان التأكيد يفهم منه وهو غير مقصود بالذات فقال : (نَفْخَةٌ) ولما دل بالفعلة على الواحدة ، أكده دلالة على عظيم قدرته وحقارة الأشياء عنده بقوله : (واحِدَةٌ) أي فهلك الخلائق كلهم ، هكذا قالوا إن هذه النفخة هي الأولى ، قالوا : وعندها خراب العالم ، وظاهر السياق أنها الثانية التي بها البعث ، وخراب ما ذكر بعد قيامهم أنسب لأنه لهم أهيب ، وكونها الثانية إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨))
ولما ذكر التأثير في الاحياء ، أتبعه التأثير في الجمادات ، وبدأ بالسفليات لملابستها للإنسان فتكون عبرته بها أكثر فقال : (وَحُمِلَتِ) أي بمجرد القدرة (الْأَرْضُ) أي المنبسطة ورجت رجا (وَالْجِبالُ) أي التي بها ثباتها فرفعت من أماكنها ، وبستا بسا فكانت هباء منبثا ، لم يبق فيهما حجر ولا كدية.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
