تورات في سرب فانتزعتها منه وأهلكتها ، وبها سميت أيام العجوز ، أو لأنها عجز الشتاء وهي ذات برد ورياح شديدة وهي من صبيحة الأربعاء لثمان بقين من شوال إلى غروب الأربعاء الآخر وهو آخر الشهر ، وقد لزم من زيادة عدد الأيام أن الابتداء كان بها قطعا وإلا لم تكن الليالي سبعا ـ فتأمل ذلك.
ولما كان الحاسم المهلك ، سبب عنه قوله مصورا لحالهم الماضية : (فَتَرَى الْقَوْمَ) أي الذين هم في غاية القدرة على ما يحاولونه : (فِيها) أي في تلك المدة من الأيام والليالي لم يتأخر أحد منهم عنها (صَرْعى) أي مجدلين على الأرض موتى معصورين مجهزة على كل منهم من شدة ضغطها باد عليهم الذل والصغار ، جمع صريع (كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ) أي أصول (نَخْلٍ) قد شاخت وهرمت فهي في غاية العجز والهرم (خاوِيَةٍ) أي متآكلة الأجواف ساقطة ، من خوي النجم ـ إذا سقط للغروب ، ومن خوي المنزل ـ إذا خلا من قطانه ، قالوا : كانت تدخل من أفواههم فتخرج ما في أجوافهم من الحشو من أدبارهم ، فالوصف بذلك لعظم أجسامهم وتقطيع الريح لهم وقطعها لرؤوسهم وخلوهم من الحياة وتسويدها لهم.
(فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣))
ولما كان هذا أمرا رائعا لمن له أدنى معقول ، وكان الاستفهام مما يزيد الروعة ، قال مسببا عن استئصالهم ليكون الإخبار به المستلزم لغاية العلم بالجزئيات كالدعوى بدليلها : (فَهَلْ تَرى) أي أيها المخاطب الخبير بالناس في جميع الأقطار (لَهُمْ) أي خصوصا ، وأعرق في النفي وعبر بالمصدر الملحق بالهاء مبالغة فقال : (مِنْ باقِيَةٍ) أي بقاء أو نفس موصوفة بالبقاء ، وأنجى الله سبحانه وتعالى صالحا عليهالسلام ومن آمن به من بين ثمود ولم تضرهم الطاغية وهودا عليهالسلام ومن آمن به من بين عاد لم يهلك منهم أحد ، فدل ذلك دلالة واضحة على أن له تعالى تمام العلم بالجزئيات كما أن له كمال الإحاطة بالكليات وعلى قدرته واختياره وحكمته ، فلا يجعل المسلم أصلا كالمجرم ولا المسيء كالمحسن.
ولما أخبر تعالى عمن أهلك بالريح ومن أهلك بما سببه الريح تسبيبا قريبا بغير واسطة ، وكان ذلك كله ـ لخروجه عن العادة ـ رادا على أهل الطبائع ، أخبر بمن أهلك مما سببته الريح من الماء بواسطة السحاب ، وكانت سبب تطابقه عليهم مع أن كفرهم
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
