ولا يكون الطائف بهذا المعنى إلا بالليل ، كذا قيل ، ويرده (إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا) [الأعراف : ٢٠١].
ولما كان هذا مقتا في الصورة أخبر بأنه لطف وتربية في المعنى بقوله : (مِنْ رَبِّكَ) أي المعروف بالعظمة التي لا تحد وبالإحسان إليك فهو جدير بأن يؤدب قومك ليقبلوا منك كما أدب أصحاب الجنة بما أوجب توبتهم وهو الحقيق بتربية العباد يعقلوا عنك ويكونوا خليقين بالتجنب للدنيا والإقبال على المعالي (وَهُمْ) أي والحال أن أصحاب الجنة المقسمين (نائِمُونَ) وقت إرسال الطائف (فَأَصْبَحَتْ) أي فتسبب عن هذا الطائف الذي أرسله القادر الذي لا يغفل ولا ينام على مآل من لا يزال أسير العجز والنوم فعلا أو قوة أن صارت جنتهم وقت اجتنائهم لها بالغد وسرورهم بها (كَالصَّرِيمِ) أي كالأشجار التي صرم عنها ثمرها أو كالشيء الذي انقطع ما بينه وبين قاصده فلا وصول إليه بوجه ، وقيل : كالليل المظلم الأسود ، وقيل : كالرماد الأسود ، ليس بها ثمرة ، لأن ذلك الطائف أتلفها لم يدع فيها شيئا ، لأنهم طلبوا الكل فلم يزكوه بما يمنع عنه الطوارق بضد ما كان لأبيهم من ثمرة عمله الصالح من الدفع عن ماله والبركة في جميع أحواله.
(فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠))
ولما كانوا لقوة عزمهم على ما أقسموا عليه كأنهم كانوا على ميعاد ، سبب عنه قوله : (فَتَنادَوْا) أي كانوا كأنهم نادى كل منهم الآخر (مُصْبِحِينَ) أي في حال أول دخولهم في الإصباح ، وفسر التنادي بقوله : (أَنِ اغْدُوا) أي بكروا جدا مقبلين ومستولين وقادرين (عَلى حَرْثِكُمْ) أي محل فائدتكم الذي أصلحتموه وتعبتم فيه فلا يستحقه غيركم ، فكأنهم استبطؤوا قيامهم وغدوهم فكفوا عنه بقولهم : (إِنْ كُنْتُمْ) أي اليوم كونا هو لكم بغاية الرغبة (صارِمِينَ) أي جاذين جذاذا ليسلم لكم من غير مشاركة أحد لكم كما تواثقتم عليه ، أو جازمين بما عزمتم عليه ، وعبر عن إسراعهم إلى الذهاب بقوله : (فَانْطَلَقُوا) أي بسبب هذا الحث وعقبه كأنهم كانوا متهيئين (وَهُمْ) أي والحال أنهم (يَتَخافَتُونَ) أي يقولون في حال انطلاقهم قولا هو في غاية السر كأنهم ذاهبون إلى سرقة من دار هي في غاية الحراسة ، من الخفوت وهو الخمود ، ثم فسر ما
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
