يرزقك وينفق عليك من ماله ، ومن تمسك بهذه الآية عاش حرا كريما ، ومات خالصا شريفا ، ولقي الله تعالى عبدا صافيا مختارا تقيا ، ومن شرط الموحد أن يتوجه إلى الواحد ويقبل على الواحد ويبذل له نفسه عبودية ويأتمنه على نفسه ويفوض إليه أموره ويترك التدبير ويثق به ويركن إليه ويتذلل لربوبيته ، ويتواضع لعظمته ويتزين ببهائه ويتخذه عدة لكل نائبة دنيا وآخرة.
(وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (١١) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (١٢) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً (١٤) إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥))
ولما كانت الوكالة لا تكون إلا فيما يعجز ، وكان الأمر بها مشيرا إلى أنه لا بد أن يكون عن هذا القول الثقيل خطوب طوال وزلازل وأهوال ، قال : (وَاصْبِرْ) وأشار إلى عظمة الصبر بتعديته بحرف الاستعلاء فقال : (عَلى ما) وخفف الأمر بالإشارة إلى أنهم لا يصلون إلى غير الأذى بالقول ، وعظمه باستمرارهم عليه فقال : (يَقُولُونَ) أي المخالفون المفهومون من الوكالة من مدافعتهم الحق بالباطل في حق الله وحقك.
ولما كانت مجانبة البغيض إلا عند الاضطرار مما يخفف من أذاه قال : (وَاهْجُرْهُمْ) أي أعرض عنهم جهارا دافعا للهرج مهما أمكن (هَجْراً جَمِيلاً) بأن تعاشرهم بظاهرك وتباينهم بسرك وخاطرك ، فلا تخالطهم إلا فيما أمرك الله به على ما حده لك من دعائهم إليه سبحانه ومن موافاتهم في أفراحهم وأحزانهم فتؤدي حقوقهم ولا تطالبهم بحقوقك لا تصريحا ولا تلويحا.
ولما كان في أمره هذا بما يفعل ما يشق جدا بما فيه من احتمال علوهم ، أعلم بقرب فرجه بتهديدهم بأخذهم سريعا فقال : (وَذَرْنِي) أي اتركني على أي حالة اتفقت مني في معاملتهم ، وأظهر في موضع الإضمار تعليقا للحكم بالوصف وتعميما فقال : (وَالْمُكَذِّبِينَ) أي العريقين في التكذيب فإني قادر على رحمتهم وتعذيبهم.
ولما ذكر وصفهم الذي استحقوا به العذاب ، ذكر الحامل عليه تزهيدا فيه وصرفا عن معاشرة أهله لئلا تكون المعاشرة فتنة فتكون حاملة على الاتصاف به وجارّة إلى حب الدنيا فقال : (أُولِي النَّعْمَةِ) أي أصحاب التنعم بغضارة العيش والبهجة التي أفادتهموها النعمة ـ بالكسر وهي الإنعام وما ينعم به من الأموال والأولاد ، والجاه الذي أفادته النعمة ـ بالضم وهي المسرة التي تقتضي الشكر وهم أكابر قريش وأغنياؤهم.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
