ليفهم منه أنه لا يزال في ترق من عليّ إلى أعلى منه وكامل إلى أكمل منه دائما أبدا لا إلى نهاية (خَيْرٌ) وقيد بقوله : (لَكَ) لأنه ليس كل أحد كذلك (مِنَ الْأُولى ) أي الدنيا الفانية التي لا سرور فيها خالص كما أن النهار الذي هو بعد الليل خير منه وأشرف ولا سيما الضحى منه ، وقد أفهم ذلك أن الناس على أربعة أقسام : منهم من له الخير في الدارين وهم أهل الطاعة الأغنياء ، ومنهم من له الشر فيهما وهم الكفرة الفقراء ، ومنهم من له صورة خير في الدنيا وشر الآخرة وهم الكفرة الأغنياء ، ومنهم من له صورة شر في الدنيا وخير في الآخرة وهم المؤمنون الفقراء ، قد قال :
|
الناس في الدنيا على أربع |
|
والنفس في فكرتهم حائره |
|
فواحد دنياه مقبوضة |
|
إن له من بعدها آخره |
|
وواحد دنياه مبسوطة |
|
ليس له من بعدها آخره |
|
وواحد قد حاز حظيهما |
|
سعيد في الدنيا وفي الآخره |
|
وواحد يسقط من بينهم |
|
فذلك لا دنيا ولا آخره |
ولما ذكر سبحانه الدنيا والآخرة ، ذكر ما يشملهما مما زاده من فضله ، فقال مصدرا بحرف الابتداء تأكيدا للكلام لأنهم ينكرونه وليست للقسم لأنها إذا دخلت على المضارع لزمته النون المؤكدة ، وضم هذه اللام إلى كلمة التنفيس للدلالة على أن العطاء وإن تأخر وقته لحكمة كائن لا محالة : (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ) أي بوعد لا خلف فيه وإن تأخر وقته بما أفهمته الأداة (رَبُّكَ) أي الذي لم يزل يحسن إليك بوعد الدنيا ووعد الآخرة (فَتَرْضى ) أي فيتعقب على ذلك ويتسبب عنه رضاك. وهذا شامل لما منحه بعد كمال النفس من كمال العلم وظهور الأمر وإعلاء الدين وفتح البلاد ودينونة العباد ونقص ممالك الجبابرة ، وإنهاب كنوز الأكاسرة والقياصرة ، وإحلال الغنائم حتى كان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر ، وشامل لما ادخره له سبحانه وتعالى في الآخرة من المقام المحمود والحوض المورود ، والشفاعة العظمى إلى غير ذلك مما لا يدخل تحت الحدود ، وقد أفهمت العبارة أن الناس أربعة أقسام : معطى راض ، وممنوع غير راض ، ومعطى غير راض ، وممنوع راض ، وعن علي رضي الله عنه أنها أرجى آية في القرآن لأنه صلىاللهعليهوسلم لا يرضى واحدا من أمته في النار.
(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠))
(وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١))
ولما وعده بأنه لا يزال في كل لحظة يرقيه في مراقي العلا والشرف ، ذكره بما رقاه به قبل ذلك من حين توفي أبوه وهو حمل وماتت أمه وهو ابن ثمان سنين ، فتم
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
