كذب النبي صلىاللهعليهوسلم بإهلاكهم شر إهلاك مغلوبين مقهورين مع أنهم كانوا قاطعين بأنهم غالبون كما فعل بمن كان قبلهم ، فدل ذلك على أنه على كل شيء قدير ، فدل على أنه يبدىء ويعيد.
ولما ذكر عقاب المعاندين بادئا به لأن المقام له ، أتبعه ثواب العابدين ، فقال مؤكدا لما لأعدائهم من إنكار ذلك : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي أقروا بالإيمان ولو على أدنى الوجوه من المقذوفين في النار وغيرهم من كل طائفة في كل زمان (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) تصديقا لإيمانهم وتحقيقا له. ولما كان الله سبحانه من رحمته قد تغمد أولياءه بعنايته ولم يكلهم إلى أعمالهم لم يجعلها سبب سعادتهم فلم يقرن بالفاء قوله : (لَهُمْ) أي جزاء مقاساتهم لنيران الدنيا من نار الأخدود الحسية التي ذكرت ، ومن نيران الغموم والأحزان المعنوية التي يكون المباشر لأسبابها غيره سبحانه فيكون المقاسي لها مع حفظه للدين كالقابض على الجمر (جَنَّاتٌ) أي فضلا منه (تَجْرِي) وقرب منالها بالجار فقال : (مِنْ تَحْتِهَا) أي تحت غرفها وأسرتها وجميع أماكنها (الْأَنْهارُ) يتلذذون ببردها في نظير ذلك الحر الذي صبروا عليه في الدنيا ويروقهم النظر إليها مع خضرة الجنان والوجوه الحسان الجالبة للسرور الجالية للأحزان.
ولما ذكر هذا الذي يسر النفوس ويذهب البؤس ، فذلكه بقوله : (ذلِكَ) أي الأمر العالي الدرجة العظيم البركة (الْفَوْزُ) أي الظفر بجميع المطالب لا غيره (الْكَبِيرُ) كبرا لا تفهمون منه أكثر من ذكره بهذا الوصف على سبيل الإجمال ، وذلك أن من كبره أن هذا الوجود كله يصغر عن أصغر شيء منه.
(إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢))
ولما كان لا يثيب ويعذب على هذا الوجه إلا من كان في غاية العظمة ، قال معللا لفعله ذلك دالا بذلك التعلل على ما له من العظمة التي تتقاصر الأفكار دون عليائها ، مؤكدا لما للأعداء من الإنكار : (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ) أي أخذ المحسن إليك المدبر لأمرك أعداء الدين بالعنف والسطوة وغاية الشدة (لَشَدِيدٌ) أي شدة يزيد عنفها على ما في البطش من العنف المشروط في تسميته ، فهو عنف مضاعف.
ولما كان هذا البطش لا يتأتى إلا لكامل القدرة ، دل على كمال قدرته واختصاصه بذلك بقوله مؤكدا لما لهم من الإنكار : (إِنَّهُ) وزاد التأكيد بمبتدأ آخر ليدل على
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
