موضعا للتنصل منه والبعد عنه ، وذلك في كلام العرب شائع معروف سائغ.
ولما أقسم على وقوع الوعد والوعيد مطلقا أعم من أن يكون في الدنيا أو في الآخرة لأنه قادر على كل ما يريد بأقسام دلت على القدرة عليه دلالة جلية ، أتبعه دلالة أجلى منها بما يشاهد من خراب العالم النفسي فقال منكرا على من يكذب به تكذيبهم مع ما كان منه سبحانه إلى من كذب الرسل ومن آمن بهم : (أَلَمْ نُهْلِكِ) أي بما لنا من العظمة (الْأَوَّلِينَ) أي إهلاك عذاب وغضب بتكذيبهم الرسل عليهم الصلاة والسّلام كقوم نوح ومن بعدهم أمة بعد أمة وقرنا بعد قرن ، لم ندع منهم أحدا.
ولما كان إهلاك من في زمن النبي صلىاللهعليهوسلم إن لم ينقص عن إهلاك الأولين لم يزد ، وكان جواب هذا التقدير : بلى قد أهلكتهم ، قال عاطفا على هذا الذي أرشد السياق إليه إرشادا ظاهرا جعله كالمنطوق ما تقديره : نعم أهلكناهم (ثُمَ) أي بعد إهلاكنا لهم.
ولما كان الفعل مرفوعا ، علمنا أنه ليس معطوفا على «تهلك» ليكون تقديرا ، بل هو إخبار للتهديد تقديره : نحن إن شئنا (نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ) أي الذين في زمانك من كفار العرب وغيرهم لتكذيبهم لك أو الذين قربوا من ذلك الزمان كأصحاب الرس وأصحاب الفيل.
ولما هدد من واجه الرسل بالتكذيب تسلية لهم ، سلى من قطعوه من أتباعهم مما يجب وصله بهم من المعروف فقال مستأنفا منبها على الوصف الموجب لذلك الإهلاك : (كَذلِكَ) أي مثل ذلك الإهلاك (نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) أي جميع الذين يفعلون فعل أولئك الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل وهم عريقون في ذلك القطع ، وذلك مثبت لنا القدرة على جمعهم ليوم الفصل كما قدرنا على جمعهم لوقت الإجرام وعلى فصلنا في الإهلاك والإنجاء بين مكذبي الأمم ومصدقيهم فلا بد من إيجادنا ليوم الفصل : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ) أي إذ يوجد (لِلْمُكَذِّبِينَ) أي بالعاصفات التي أهلكنا بها تلك الأمم تارة بواسطة القلب وإمطار الحجارة وأخرى بواسطة الماء وتارة بالرجفة وتارة بغير واسطة.
(أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ (٣١))
ولما ذكر الإهلاك على ذلك الوجه الدال على القدرة التامة على البعث وعلى ما
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
