أمر لا بد منه ، وبالبناء للمفعول على أن إلقاءهم في غاية السهولة على كل من يؤمر به : (إِذا أُلْقُوا) أي طرح الذين كفروا والأخساء من أي طارح أمرناه بطرحهم (فِيها) حين تعتلهم الملائكة فتطرحهم كما تطرح الحطب في النار (سَمِعُوا لَها) أي جهنم نفسها (شَهِيقاً) أي صوتا هائلا أشد نكارة من أول صوت الحمار لشدة توقدها وغليانها ، أو لأهلها ـ على حذف مضاف (وَهِيَ تَفُورُ) أي تغلي بهم كغلي المرجل بما فيه من شدة التلهب والتسعر ، فهم لا يزالون فيها صاعدين هابطين كالحب إذا كان الماء ـ يغلي به ، لا قرار لهم أصلا.
(تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١))
ولما وصفها بالفوران ، بين سببه تمثيلا لشدة اشتعالها عليهم فقال : (تَكادُ تَمَيَّزُ) أي تقرب من أن ينفصل بعضها من بعض كما يقال : يكاد فلان ينشق من غيظه وفلان غضب فطارت شقة منه في الأرض وشقة في السماء ـ كناية عن شدة الغضب (مِنَ الْغَيْظِ) أي عليهم ، وكأنه حذف إحدى التاءين إشارة إلى أنه يحصل منها افتراق واتصال على وجه من السرعة لا يكاد يدرك حق الإدراك ، وذلك كله لغضب سيدها ، وتأتي يوم القيامة تقاد إلى المحشر بألف زمام لكل زمام سبعون ألف ملك يقودونها به ، وهي شدة الغيظ تقوى على الملائكة وتحمل على الناس فتقطع الأزمة جميعا وتحطم أهل المحشر فلا يردها عنهم إلا النبي صلىاللهعليهوسلم يقابلها بنوره فترجع مع أن لكل ملك من القوة ما لو أمر به أن يقتلع الأرض وما عليها من الجبال ويصعد بها في الجو فعل من غير كلفة ، وهذا كما أطفأها في الدنيا بنفخة كما رواه الجماعة إلا الترمذي وهذا لفظ أبي داود عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : «انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلىاللهعليهوسلم ـ فذكر صلاته إلى أن قال : ثم نفخ في آخر سجوده. فقال : أف أف ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم وهم يستغفرون» (١) وفي رواية النسائي أنه قال : قال صلىاللهعليهوسلم : «لقد أدنيت مني النار حتى جعلت ألفتها خشية أن تغشاكم» (٢).
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ١٠٤٩ و ١٠٥٥ ومسلم ٩٠٣ وأبو داود ١١٨٠ و ١١٩٠ والنسائي ٣ / ١٢٧ ـ ١٣٢ وابن حبان ٤٨٤٠ ـ ٢٨٤٢ ومالك ١ / ١٨٧ ـ ١٨٨ وأحمد ٦ / ٥٣ من حديث عائشة. وحديث عبد الله بن عمرو الذي ذكره المصنف أخرجه أبو داود ١١٩٤ والنسائي ٣ / ١٣٧ ـ ١٣٩ والحاكم ١ / ٣٢٩ وابن حبان ٣٨٣٨ وأحمد ٢ / ١٥٩.
(٢) هذه الرواية عند النسائي ٣ / ١٣٨ ـ ١٣٩ وانظر الحديث المتقدم.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
