ربما زاد أو نقص تعمدا أو سهوا ، أخبر أن له صلىاللهعليهوسلم من الوصف ما يحفظه فقال : (كَرِيمٍ) أي هو في غاية الكرم الذي هو البعد عن مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها لشرف النفس وشرف الآباء فهو لا يزيد ولا ينقص ، وكرم الشيء اجتماع الكمالات اللائقة به فيه.
(وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦))
ولما أثبت أنه قوله سبحانه وتعالى لأنه قول رسوله صلىاللهعليهوسلم لنا وهو لا ينطق عن الهوى ، نفى عنه ما يتقولونه عليه ، فبدأ بالشعر وهو ما يقوله الإنسان من تلقاء نفسه على وزن مقصود صدقا كان أو كذبا ، ولا بد فيه للتقيد بالوزن والقافية من التكلف الذي القرآن بعيد عنه ، وهو مع مشاركته للسجع في التكلف الناقص للمعنى أعلى منه بالوزن الذي يكسبه الرونق والحلاوة فقال : (وَما هُوَ) أي هذا الذكر في باطن أمره ولا ظاهره ، وأكد النفي فقال : (بِقَوْلِ شاعِرٍ) أي يأتي بكلام مقفى موزون بقصد الوزن ، وإنما قيل أنه ليس بقول من هو كذلك لأنه ، لا يوافق الوزن فيه إلا أماكن نادرة بالنسبة إلى مجموع القرآن ، ومن المقطوع به أن ذلك لا يرضى به شاعر وهو أنه ينصب نفسه منصب النظم والارتهان بعهدة الوزن ، ثم يأتي بكلام أكثره غير موزون ، فعلم قطعا أن الذي وافق الوزن فيه غير مقصود فليس بشعر.
ولما كانت مخالفة القرآن للشعر خفية من حيث أنه لا يعرف ذلك إلا الشعراء وهم قليل في الناس ، والأغلب لا يعرفون ذلك ، ختم الآية بالإيمان الذي هو التصديق بالغيب فقال تعالى : (قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ) أي ما توجدون التصديق الذي هو الإيمان إلا إيجادا أو زمانا قليلا ، وذلك لأني قد أخبرتكم بذلك في غير موضع فلم تصدقوا وفيكم شعراء كثير يعرفون معرفة تامة أنه مخالف للشعر ، وقد أخبركم بعضهم بذلك كالوليد بن المغير وعتبة ابن ربيعة وغيرهما ثم لا تتبعون ذلك ثمرته ، وهو الإيمان بالله ورسوله ، وإيمانهم القليل إقرار من أقر من شعرائهم أنه ليس بشعر ، وإخلاصهم بالوحدانية عند الاضطرار وإفرادهم الخالق بالخلق والربوبية ، وهو إيمان لغوي لا شرعي ، ولما كان من يعرف الشعر يعرف النثر فهو أعلى فقدمه ، أتبعه النثر فقال : (وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ) وهو المنجم الذي يخبر عن أشياء يوهمها لرئي يخبره بذلك ، وأغلبها ليس لها صحة ، وعبارته عن ذلك بالسجع المتكلف المقصود كونه سجعا الذي يكون المعنى فيه تابعا للفظ للتحلية بمشاكلة المقاطع.
ولما كانت مباينة القرآن للسجع خفية جدا لما فيه من الفواصل في الأغلب وتركها
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
