مقيمين وهي جهة السفل الملزومة للقهر ، وذلك أقصى جهدنا فأين نحن من سعة ملكه الذي هو في قبضته (وَلَنْ نُعْجِزَهُ) أي بوجه من الوجوه (هَرَباً) أي ذوي هرب أو من جهة الهرب ، أي هربنا من الأرض إلى غيرها فإن السماء منعت منا وليس لنا مضطرب إلا في قبضته ، فأين أم إلى أين المهرب ، وقد منعوا بذلك وجهي النجاة باللقاء والنصر والهرب عند القهر.
ولما كان الظانّ قد يبادر إلى العمل بموجب ظنه وقد لا ، بينوا أن مرادهم به العلم ، وأنهم بادروا إلى العمل بما دعا إليه ، فقالوا مؤكدين لما للجن من الإباء والعسر : (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا) أي من النبي صلىاللهعليهوسلم (الْهُدى) أي القرآن الذي له من العراقة التامة في صفة البيان والدعاء إلى الخير ما سوغ أن يطلق عليه نفس الهدى : (آمَنَّا بِهِ) أي من غير وقفة أصلا عملا بما له من هذا الوصف العظيم.
ولما كان التقدير : فآمنا بسبب إيماننا الذي قادنا إليه حفظ السماء من الإيقاع بنا لتمام قدرته علينا الذي هدانا إليه منعنا من الاستماع بالحراسة ، سببوا عن ذلك قولهم معترفين بالعجز عن مقاومة التهديد من الملك طالبين التحصن بتحصينه والاعتصام بحبله : (فَمَنْ يُؤْمِنْ) أي يوجد حقيقة الإيمان ويستمر على تجديدها كل لحظة. ولما فهموا أن دعاءه إليه وبيانه للطريق مع قدرته التامة إنما هو من عموم لطفه ورحمته ، ذكروا وصف الإحسان لزيادة الترغيب فقالوا : (بِرَبِّهِ) أي المحسن إليه منا ومن غيرنا.
ولما كان المؤمن هو المختص من بين الخلق بالنجاة ، أدخل الفاء على الجواب ورفعه على تقدير مبتدأ دلالة على ذلك وعلى أن نجاتهم ما لا بد منه فقال : (فَلا) أي فهو خاصة لا (يَخافُ) أصلا (بَخْساً) أي نقصا وقلة وخبثا ونكدا في الثواب والإكرام بوجه من الوجوه (وَلا رَهَقاً) أي مكروها يلحقه فيقهره لأنه لم يفعل مع أحد شيئا من ذلك ليجازى عليه ، فهذا حث للمؤمن على اجتناب ذلك لئلا يجازى به ، وقد هدى السياق إلى تقدير : ومن يشرك به فلا ، يأمن محقا ولا صعقا.
(وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥) وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧) وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً (١٨))
ولما كان هذا ظاهرا في أنهم أسلموا كلهم ، قالوا نافين لهذا الظاهر مؤكدين لأن إسلامهم مع شديد نفرتهم لا يكاد يصدق : (وَأَنَّا مِنَّا) أي أيها الجن (الْمُسْلِمُونَ) أي المخلصون في صفة الإسلام للهادي فأسلموه قيادهم فهم عريقون في ذلك مقسطون
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
