أظهرها وغير ذلك من الغرائب التي تدل على أن موجده بعد أن لم يكن ومذهب ما كان به قادر على الإبداء والإعادة وكل ما يريد (وَالْقَمَرِ) أي الذي هو آيته (إِذَا اتَّسَقَ) أي انتظم واستوى واجتمع كماله وتم أمره ليلة إبداره بعد أن كان قد غاب أصلا ثم بدأ هلالا خفيا ضئيلا دقيقا ولم يزل يزداد حتى يتم ثم ينقص إلى أن يخفى ثم يعود إلى حاله دليلا أظهر من الشمس على قدرة موجده كذلك على كل أمر من الإبداء والإعادة.
ولما كانت هذه الأمور عظيمة جدا لا يقدر عليها إلا الله تعالى ولها من المنافع ما لا يعلمه حق علمه إلا هو سبحانه وتعالى ، وكل منها مع ذلك دال على تمام قدرته تعالى على الذي يراد تقريره في العقول وإيضاحه من القدرة التامة على إعادة الشيء كما كان سواء ، ونفي الإقسام بها دليلا على أن ذلك في غاية الظهور ، فالأمر فيه غني عن الإقسام ، قال في موضع جواب القسم مقرونا باللام الدالة على القسم ذاكرا ما هو في الظهور والبداهة بحيث لا يحتاج إلى تنبيه عليه بغير ذكره : (لَتَرْكَبُنَ) أي أيها المكلفون ـ هذا على قراءة الجماعة بضم الباء دلالة على حذف واو الجمع ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بفتحها على أن الخطاب للانسان باعتبار اللفظ (طَبَقاً) مجاوزا (عَنْ طَبَقٍ) أي حالا بعد حال من أطوار الحياة وأدوار العيش وغمرات الموت ثم من أمور البرزخ وشؤون البعث ودواهي الحشر بدليل ما كان لكم قبل ذلك سواء بتلك القدرة التي كونت تلك الكوائن وأوجدت تلك العجائب سواء ، فتكونون في تمكن الوجود في كل طبق بحال التمكن على الشيء بالركوب ، وكل حال منها مطابق للآخر في ذلك فإن الطبق ما يطابق غيره ، ومنه قيل للغطاء : طبق ـ لمطابقته المغطى ، والطبق كل ما ساوى شيئا ووجه الأرض والقرن من الزمان أو عشرون سنة ، وكلها واضح الإرادة هنا وهو بديهي الكون ، فأول أطباق الإنسان جنين ، ثم وليد ، ثم رضيع ، ثم فطيم ، ثم يافع ، ثم رجل ، ثم شاب ، ثم كهل ، ثم شيخ ، ثم ميت ، وبعده نشر ثم حشر ثم حساب ثم وزن ثم صراط ثم مقرّ ، ومثل هذه الأطباق المحسوسة أطباق معنوية من الفضائل والرذائل.
(فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥))
ولما ظهر المراد ولم يبق إلا العناد ، سبب عن ذلك الإنكار عليهم والتوبيخ والتقريع والتهديد ، فقال معرضا عن خطابهم إلى الغيبة إيذانا باستحقاقهم للأخذ إن لم يرجعوا : (فَما لَهُمْ) أي وأي شيء لهؤلاء الذين أنزلنا عليهم هذا الكتاب المعجز في أنهم (لا يُؤْمِنُونَ) أي يوقعون الإيمان ويجددونه كل وقت على الاستمرار بكل ما
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
