(وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣))
لما كانت لذة هذه الدنيا الظاهرة التنعم بما فيها من المتاع ، وكان الإنسان مسؤولا بما شهد به ، ختم التكاثر عن ذلك النعيم متوعدا برؤية الجحيم ، فكان ساكن هذه الدار على غاية الخطر ، فكان نعيمه في غاية الكدر ، قال دالّا على ذلك بأن أكثر الناس هالك ، مؤكدا بالقسم والأداة لما للأغلب من التكذيب لذلك إما بالمقال أو بالحال : (وَالْعَصْرِ) أي الزمان الذي خلق فيه أصله آدم عليه الصلاة والسّلام وهو في عصر يوم الجمعة كما ورد في الحديث الصحيح في مسلم (١) ، أو الصلاة الوسطى أو وقتها الذي هو زمان صاحب هذا الشرع الذي مقداره فيما مضى من الزمان بمقدار وقت العصر من النهار أو بعضه ، أو زمان كل أحد الذي هو الخلاصة بالنسبة إليه تنبيها له على نفاسته إشارة إلى اغتنام إنفاقه في الخير إشفاقا من الحشر ، أو وقت الأصيل لأنه أفضله بما يحويه من الفراغ من الأشغال واستقبال الراحة والحصول على فائدة ما أنفق فيه ذلك النهار ، وبما دل عليه من طول الساعة وربح من كان له فيها بضاعة باختتام الأعمال وتقوض النهار ، والدال على البعث ، أو جميع الدهر الذي أوجد فيه سبحانه وتعالى المخلوقات وقدر فيه المقدورات بما ظهر فيه من العجائب الدالة على ما لله تعالى من العز والعظمة الداعي إلى صرف الهمة إليه وقصرها عليه : (إِنَّ الْإِنْسانَ) أي هذا النوع الذي هو أشرف الأنواع لكونه في أحسن تقويم كما أن العصر خلاصة الزمان ، والعصر يكون لاستخراج خلاصات الأشياء (لَفِي خُسْرٍ) أي نقص بحسب مساعيهم في أهوائهم وصرف أعصارهم في أغراضهم لما لهم بالطبع من الميل إلى الحاضر والإعراض عن الغائب والاغترار بالفاني أعم من أن يكون الخسر قليلا أو جليلا بحسب تنوع الناس إلى أكياس وأرجاس ، فمن كان كافرا كان في كفران ، ومن كان مؤمنا عاصيا كان في خسران إن كان بالغا في المعصية وإلا كان في مطلق الخسر ، وهو مدلول المصدر المجرد ، وفي هذا إشارة إلى العلم بالاحتياج إلى إرسال الرسل لبيان المرضي لله من الاعتقادات والعبادات والعادات إيمانا وإسلاما وإدامة لذلك ليكون فاعله من قبضة اليمين وتاركه من أصحاب الشمال.
وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير : لما قال تعالى : (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ) وتضمن ذلك
__________________
(١) أخرجه مسلم ٢٧٨٩ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وكذا أخرجه غير واحد ورجّح الإمام الناقد البخاري صاحب الصحيح وهو شيخ مسلم وكذا شيخه علي بن المديني رضي الله عنهم أجمعين رجحوا أن هذا الحديث من قول أبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه وقد تقدم تخريج الحديث مفصّلا وإنما أعدنا الكلام عليه للتنبيه والله تعالى ولي التوفيق.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
