والضالين ، وأشار أول البقرة إلى دخول المتقين ـ الذين الكتاب هدى لهم ـ في الدين أفواجا وإن أغنى أهل الكفر وأعتاهم سواء عليهم الإنذار وعدمه في أنه لا يؤمن وهو أبو لهب ومن سار بسيره من مجاهر ومساتر ويعمهم الخسار ، ويشملهم الهلاك والتبار ، بحكم الواحد القهار ، المأمور بعبادته وتوحيده في الآية الجامعة لدعوات التوحيد (يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) [البقرة : ٢١] المتصف بما في سورة الصمد التي لم ينزل في وصفه مثلها ، فتم الدين عند ذلك بما له سبحانه من كمال الأوصاف ، وجلال النعوت بالجبروت والألطاف فلم يبق إلا تعويذ أهل الدين من أن يدخل عليهم خلل ، أو يلحقهم نزع أو زلل ، فختم بالمعوذتين لذلك ، والله المسؤول في الإنعام بعائد السؤل لكل سالك.
(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١) اللهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤))
ولما كان المقصود من القرآن دعوة العباد إلى المعبود ، وكان المدعو إلى شيء أحوج ما يكون إلى معرفته ، وكان التعريف تارة للذات وتارة للصفات وتارة للأفعال ، وكانت هذه الأمة ـ أشرف الأمم لأن نبيها أعلى الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، وكان هي الختام ، أشبع الكلام في تعريفه سبحانه في القرآن ، وأنهى البيان في ذلك إلى حد لا مزيد عليه ولم يقاربه في ذلك كتاب من الكتب السالفة ، ولكنه لما كان الكبير إذا تناهى كبره عزت معرفة ذاته ، وكان الله تعالى هو الأكبر مطلقا ، وكانت معرفة ذاته ـ كما أشار إليه الغزالي في الجواهر ، والفخر الرازي في كتبه ـ أضيق ما يكون مجالا وأعسره مقالا ، وأعصاه على الفكر منالا ، وأبعده عن قبول الذكر استرسالا لأن القرآن لا يشتمل من ذلك إلا على تلويحات وإشارات أكثرها رجع إلى ذكر التقديس المطلق كقوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى : ١١٢] وإلى التعظيم المطلق كقوله (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ) فكاد القياس أن يقتصر على ذلك مع التعريف بالصفات والأفعال ، لكن لما كانت هذه الأمة في الذروة من حسن الأفهام مع ما نالته من الشرف ، حباها سبحانه وتعالى بسورة الإخلاص كاملة ببيان لا يمكن أن تحتمل عقول البشر زيادة عليه ، وذلك ببيان أنه ثابت ثباتا لا يشبهه ثبات على وجه لا يكون لغيره أصلا ، وأنه سبحانه وتعالى منزه عن الشبيه والنظير والمكافىء والمثيل ، فلا زوجة له ولا ولد ، ولا حاجة بوجه إلى أحد ، بل له الخلق والأمر ، فهو يهلك من أراد ويسعد من شاء ، فقال آمرا لنبيه صلىاللهعليهوسلم ليكون أول كلمة فيها دالة على رسالته ردا على من كذبه في خاصة نفسه وعلى البراهمة القائلين : إن في العقل غنى عن الرسل. ويكون البيان جاريا على لسانه
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
