وارتفع وطغى : غلا في الكفر وأسرف في المعاصي والظلم ، والماء : ارتفع.
(وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١))
ولما كان الذي بعد حدود الله هو الدنيا ، صرح به فقال : (وَآثَرَ) أي أكرم وقدم واختار (الْحَياةَ الدُّنْيا) بأن جعل أثر العاجلة الدنية لحضورها عنده أعظم من أثر الآخرة العليا لغيابها ، فكان كالبهائم لا إدراك له لغير الجزئيات الحاضرة ، فانهمك في جميع أعمالها وأعرض عن الاستعداد للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس فلم ينه نفسه عن الهوى.
ولما كان الإنسان مؤاخذا بما اكتسب ، سبب عن أعماله هذه قوله مؤكدا لتكذيبهم ذلك : (فَإِنَّ الْجَحِيمَ) أي النار الشديدة التوقد العظيمة الجموح على من يدخلها (هِيَ) أي لا غيرها (الْمَأْوى ) أي المسكن له ـ هذا مذهب البصريين أن الضمير محذوف ، وعند الكوفيين أن «أل» نائب عن الضمير ـ قاله أبو حيان.
ولما ذكر الطاغي ، أتبعه المتقي فقال : (وَأَمَّا مَنْ خافَ) ولما كان ذلك الخوف مما يتعلق بالشيء لأجل ذلك الشيء أعظم من ذكر الخوف من ذلك الشيء نفسه فقال : (مَقامَ رَبِّهِ) أي قيامه بين يدي المحسن إليه عند تذكر إحسانه فلم يطغ فكيف عند تذكر جلاله وانتقامه ، أو المكان الذي يقوم فيه بين يديه والزمان ، وإذا خاف ذلك المقام فما ظنك بالخوف من صاحبه ، وهذا لا يفعله إلا من تحقق المعاد.
ولما ذكر الخوف ذكر ما يتأثر عنه ولم يجعله مسببا عنه ليفهم أن كلّا منهما فاصل على حياله وإن انفصل عن الآخر فقال : (وَنَهَى النَّفْسَ) أي التي لها المنافسة (عَنِ الْهَوى) أي كل ما تهواه فإنه لا يجر إلى خير لأن النار حفت بالشهوات ، والشرع كله مبني على ما يخالف الطبع وما تهوى الأنفس ، وذلك هو المحارم التي حفت بها النار فإنها بالشهوات ، قال الرازي : والهوى هو الشهوة المذمومة المخالفة لأوامر الشرع. قال الجنيد : إذا خالفت النفس هواها صار داؤها دواءها ، أي فأفاد ذلك أنه لم يؤثر الحياة الدنيا ، فالآية من الاحتباك : أتى بطغى دليلا على ضده ثانيا ، وبالنهي عن الهوى ثانيا دلالة على إيثار الدنيا أولا. ولما كان مقام ترغيب ، ربط الجزاء بالعمل كما صنع في الترهيب فقال وأكد لأجل تكذيب الكفار : (فَإِنَّ الْجَنَّةَ) أي البستان الجامع لكل ما يشتهي (هِيَ) أي خاصة (الْمَأْوى ) أي له ، لا يأوي إلى غيرها ، وهذا حال المراقبين.
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
