بسم الله الرحمن الرّحيم
سورة الغاشية
مكية ـ آياتها ست وعشرون
مقصودها شرح ما في آخر «سبح» من تنزيه الله سبحانه وتعالى عن العبث بإثبات الدار الآخرة التي الغاشية مبدؤها ، وذكر ما فيها للأتقى والأشقى ، والدلالة على القدرة عليها ، وأدل ما فيها على هذا المقصود الغاشية ـ نعوذ بالله من القلب الغاشي والبصيرة الغاشية ، لئلا تكون الغاشية علينا بسوء الأعمال ناشية (بِسْمِ اللهِ) الذي له العظمة البالغة والحكمة الباهرة (الرَّحْمنِ) الذي له الفيض الأعلى والنعم الظاهرة (الرَّحِيمِ) الذي اصطفى أولياء فأصلح بواطن نعمهم حتى عادت ظاهرة طاهرة.
(هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦))
لما ختمت «سبح» بالحث على تطهير النفوس عن وضر الدنيا ، ورغب في ذلك بخيرية الآخرة تارة والاقتداء بأولي العزم من الأنبياء أخرى ، رهب أول هذه من الإعراض عن ذلك مرة ، ومن التزكي بغير منهاج الرسل أخرى ، فقال تعالى مذكرا بالآخرة التي حث عليها آخر تلك مقررا لأشرف خلقه صلىاللهعليهوسلم لأن ذلك أعظم في تقدير اتباعه وأقعد في تحريك النفوس إلى تلقي الخبر بالقبول : (هَلْ أَتاكَ) أي جاءك وكان لك وواجهك على وجه الوضوح يا أعظم خلقنا (حَدِيثُ الْغاشِيَةِ) أي القيامة التي تغشي الناس بدواهيها وشدائدها العظمى وزواجرها ونواهيها ، فإن الغشي لا يكون إلا فيما يكره.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تقدم تنزيهه سبحانه عما توهم الظالمون ، واستمرت آي السورة على ما يوضح تقدس الخالق جل جلاله عن عظيم مقالهم ، أتبع ذلك بذكر الغاشية بعد افتتاح السورة بصورة الاستفهام تعظيما لأمرها ، فقال لنبيه صلىاللهعليهوسلم : «هل أتاك» يا محمد «حديث الغاشية» وهي القيامة ، فكأنه سبحانه وتعالى يقول : في
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
