بسم الله الرحمن الرّحيم
سورة البلد
مكية ـ آياتها عشرون
مقصودها الدلالة على نفي القدرة عن الإنسان ، وإثباتها لخالقه الديان ، بذكر ما للإنسان من الهموم والأحزان ، وذكر الأسباب الموقعة له فيما شاء أو أبى ، وذكر السبب المخلص منها ، الموصل إلى السعادة في الآخرة ، وهو ما هدى إليه ربه سبحانه ، وذلك هو معنى اسمها ، فإن من تأمل أمان أهل الحرم وما هم فيه من الرزق والخير على قلة الرزق ببلدهم ـ مع ما فيه غيرهم ممن هم أكثر منهم وأقوى ـ من الخوف والجوع علم ذلك (بِسْمِ اللهِ) الملك الواحد القهار (الرَّحْمنِ) الذي أسبغ نعمته على سائر بريته ، وفاوت بينهم في عطيته ، فكان كلّ ساخطا لحالته في كبد ما يهمه في خاصته وعامته لحكم تعجز الأفكار (الرَّحِيمِ) الذي خص أهل ولايته بما يرضيه عنهم من أقضيته فيوصلهم إلى جنته وينجيهم من النار.
(لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥))
لما ختم كلمات الفجر بالجنة التي هي أفضل الأماكن التي يسكنها الخلق ، لا سيما المضافة إلى اسمه الأخص المؤذن بأنها أفضل الجنان ، بعد ما ختم آياتها بالنفس المطمئنة بعد ذكر الأمارة التي وقعت في كبد الندم الذي يتمنى لأجله العدم ، بعد ما تقدم من أنها لا تزال في كبد ابتلاء المعيشة في السراء والضراء ، افتتح هذه بالأمارة مقسما في أمرها بأعظم البلاد وأشرف أولي الأنفس المطمئنة ، فقال مؤكدا بالنافي من حيث إنه ينفي ضد ما ثبت من مضمون الكلام مع القطع بأنه لم يقصد به غير ذلك : (لا أُقْسِمُ) أي أقسم قسما أثبت مضمونه وأنفي ضده ، ويمكن أن يكون النفي على ظاهره ، والمعنى أن الأمر في الظهور غني عن الإقسام حتى بهذا القسم الذي أنتم عارفون بأنه في غاية العظمة ، فيكون كقوله (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) [الواقعة : ٨٦] (بِهذَا الْبَلَدِ) أي الحرام وهو مكة التي لا يصل إليها قاصدوها إلا
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
