ولما أخبر عن ويلهم ، وصفهم بما يبين ما كذبوا به ويبلغ في ذمهم فقال : (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ) أي يوقعون التكذيب لكل من ينبغي تصديقه ، مستهينين (بِيَوْمِ) أي بسبب الإخبار بيوم (الدِّينِ) أي الجزاء الذي هو سر الوجود (وَما) أي والحال أنه ما (يُكَذِّبُ) أي يوقع التكذيب (بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ) أي متجاوز للحد في العناد أو الجمود والتقليد لأن محطه نسبة من ثبت بالبراهين القاطعة أنه على كل شيء قدير إلى العجز عن إعادة ما ابتدأه (أَثِيمٍ) أي مبالغ في الانهماك في الشهوات الموجبة للآثام ، وهي الذنوب ، فاسود قلبه فعمي بنظر الشهوات التي حفت بها النار عما عداها.
(إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧))
ولما أثبت له الإبلاغ في الإثم ، دل عليه بقوله بأداة التحقق : (إِذا تُتْلى) أي من أي تال كان ، مستعلية بما لها من البراهين (عَلَيْهِ آياتُنا) أي العلامات الدالة على ما أريد بيانها له مع ما لها من العظمة بالنسبة إلينا (قالَ) أي من غير توقف ولا تأمل بل بحظ نفس أوقعه فيه شهوة المغالبة التي سببها الكبر : (أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) أي من الأباطيل وليست كلام الله ، فكان لفرط جهله بحيث لا ينتفع بشواهد النقل كما أنه لم ينظر في دلائل العقل.
ولما كان هذا قد صار كالأنعام في عدم النظر بل هو أضل سبيلا لأنه قادر على النظر دونها ، قال رادعا له ومكذبا ومبينا لما أدى به إلى هذا القول وهو لا يعتقده : (كَلَّا) أي ليرتدع ارتداعا عظيما ولينزجر انزجارا شديدا ، فليس الأمر كما قال في المتلو ولا هو معتقد له اعتقادا جازما لأنه لم يقله عن بصيرة (بَلْ رانَ) أي غلب وأحاط وغطى تغطية الغيم للسماء والصدأ للمرآة ، وجمع اعتبارا بمعنى «كل» لئلا يتعنت متعنت ، فقال معبرا بجمع الكثرة إشارة إلى كثرتهم : (عَلى قُلُوبِهِمْ) أي كل من قال هذا القول (ما كانُوا) أي بجبلاتهم الفاسدة (يَكْسِبُونَ) أي يجددون كسبه مستمرين عليه من الأعمال الردية ، فإن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا ، فيتراكم الذنب على القلب فيسود ، فلذلك كانوا يقولون مثل هذا الاعتقاد ، بل هو شيء يسدون به المجلس ويقيمون لأنفسهم عند العامة المعاذير ويفترون به عزائم التالين بما يحرقون من قلوبهم ـ أحرق الله قلوبهم وبيوتهم بالنار ـ فإنهم لا ينقطعون في عصر من الأعصار ولا يخشون من عار ولا شنار ، روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
