كدر فيه بوجه (وَأَبْقى ) أي منها على تقدير المحال في الدنيا من أن تماديها إلى وقت زوالها تسمى بقاء ، لأن نعيم الآخرة دائم لا انقطاع له أصلا ، وما كان باقيا لا يعادل بما يغني بوجه من الوجوه ، فمن علم ذلك ـ وهو أمر لا يجهل ـ اشتغل بما يحصل الآخرة وينفي الدنيا بقسميها من الأعيان الحسية والشهوات المعنوية من الرعونات النفسانية والمستلذات الوهمية ، والآية من الاحتباك : ذكر الإيثار والدنو أولا يدل على الترك والعلو ثانيا ، وذكر الخير والبقاء ثانيا يدل على ضدهما أولا ، وسر ذلك أنه لا يؤثر الدنيء إلا دنيء فذكره أولا لأنه أشد في التنفير ، وذكر الخير والبقاء ثانيا لأنه أشد في الترغيب.
ولما كانت هذه النتيجة ـ التي هي الفلاح بالتزكية وما تبعها ـ خالصة الكتب المنزلة التي بها تدبير البقاء الأول ، وصفها ترغيبا فيها بوصف جمع القدم المستلزم للصحة بتوارد الأفكار على تعاقب الأعصار ، لأن ما مضت عليه السنون ومرت على قبوله الدهور تكون النفس أقبل للإذعان له وأدعى إلى إلزامه ، وأفاد مع القدم أن المنزل عليه صلىاللهعليهوسلم ليس بدعا من الرسل عليهم الصلاة والسّلام بل هو على منهاجهم ، فرد رسالته من بينهم لا يقول به منصف لا سيما وقد زاد عليهم في المعجزات وسائر الكرامات بقوله مؤكدا لأجل من يكذب : (إِنَّ هذا) أي الوعظ العظيم بالتسبيح الذي ذكر في هذه السور وما تأثر عنه من التزكية بالذكر الموجب للصلاة والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة ، لأنه جامع لكل خير ، وهو ثابت في كل شريعة لأنه المقصود بالحكم فهو لا يقبل النسخ (لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ) فمن تبع هذا القرآن الذي هو في هذه الصحف الربانية فقد تحلى من زينة اللسان بما ينقله من البيان الذي هو في غاية التحرير وعظم الشأن وما يعلمه من المغيبات مما يكون أو كان ، ونسيه أهل هذه الأزمان ، فاستراح من ضلال الشعراء والكهان ، الموقعين في الإثم والعدوان ، فإن القرآن جمع المديح الفائق والنسيب الرقيق في وصف الحور والرحيق والفخر الحماسي والهجاء البليغ لأعداء الله ، والترغيب الجاذب للقلوب والترهيب والملح الخبرية والحدود الشرعية ـ إلى غير ذلك من أمور لا تصل إليها الشعراء ، ولا ينتهي إلى أدنى جنابها بلاغات البلغاء.
ولما كان ذلك عاما خص من بينه تعظيما لقدر هذه الموعظة أعظم الأنبياء الأقدمين ، فقال مبدلا مشيرا إلى الاستدلال بالتجربة : (صُحُفِ إِبْراهِيمَ) قدمه لأن صحفه أقرب إلى الوعظ كما نطق به حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه (وَمُوسى ) ختم به لأن الغالب على كتابه الأحكام ، والمواعظ فيه قليلة ، ومنها الزواجر البليغة
![نظم الدّرر [ ج ٨ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4713_nazm-aldurar-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
