الحكمين المزبورين المتقابلين ، وبين ما عمّم فيه ، كقوله : يجب عليك إكرام كلّ عالم ، ويحرم عليك إكرام كلّ فاسق ، أو قوله : لا تكرم أحدا من الفساق ؛ فإنّه لا شك ولا ريب في حكمهم بعدم إمكان اجتماعهما في محل واحد باجتماع الجهتين ، بل يتوقّفون ، ولا يحكمون بأحدهما إلّا بمرجّح خارجي إن حصل ، وإلّا فيحكمون بالتخيير والوقف ، والعقل يساعدهم هنا أيضا.
فتوارد الأمر والنهي على الفرد لدخوله في مفهوم اللفظ ولو ضمنا ، والأمر والنهي عن الواحد الشخصي ، ممّا يستحيل صدوره عن الحكيم ؛ إذ كل عاقل يحكم به ، وبأنّه لا يجدي تعدد الجهة ؛ إذ امتثال الأمر فيه لا يمكن إلّا بعد ايجاده ، والإتيان به بشخصه ، وهو منهي عنه بخصوصه ، وكذلك امتثال النهي فيه لا يمكن إلّا بتركه وهو منهي عنه في ضمن الأمر به.
وحيث قد عرفت حكم العقل باستحالة الجمع فيما يتعلّق الأمر والنهي فيه عموم استغراقي ، ثبت في غيره ممّا المتعلّق فيه عموم اطلاقي طبيعي ، وعليه فيدخل العموم طبيعي أو افرادي ؛ لعدم القائل بالفرق بينهما ؛ لفرضهم المسألة في استحالة اجتماع الأمر والنهي إذا كان بين متعلّقهما ـ من النسب الأربع ـ التباين الجزئي ، وهو متحقّق فيما المتعلّق فيه فيهما عموم إطلاقي أو استغراقي.
وعليه فيدخل العموم الاستغراقي في محل النزاع ، ويلزم القائل (١) بجواز الاجتماع الحكم به في الاستغراقي ، فيجوز عنده الحكم بحصول المعصية والامتثال في العالم الفاسق ، وما أقبحه ؛ إذ الامتثال ليس إلّا عبارة عن الإتيان بما امر به ، والعصيان ليس إلّا عبارة عن الإتيان بما نهي عنه ، والإتيان بما امر به ـ الّذي يحصل به الامتثال ـ كيف يمكن بعد النهي عنه بخصوصه؟! وامتثال عنه بخصوصه
__________________
(١) في ب : (القول).
