توضيح ذلك ؛ أنّ كثيرا من الظنون التي لا تأمّل في ظنّيتها ، النفوس ـ في بعض الأوقات ـ مطمئنّة بها ساكنة إليها ، من جهة أنّه ليس مدّ نظرها ، والحاضر عندها إلّا الطرف الراجح بقوّة رجحانه ، وكونه الحالة الّتي الأصل عند النفوس كون الأمر عليها.
وأمّا الطرف المرجوح فليس حاضرا عندها ولا تلتفت إليه ، ولا تتفطّن بدارا به ؛ لقوّة مرجوحيّته ، وكونه مما يتجدّد ويحدث ، وكون عدمه مقتضى الأصل عن النفس ، مع عدم مقتض للالتفات إليه ، والأمارة منبّهة عليه ؛ فإنّا نرى أنّ الرجل الذي غاب عنّا مدّة مديدة في بعض الأوقات نكاتبه ، ونكالمه مع الكتابة ، ونأمره ، ونرجع الأمر إليه ، أو نذكره (١) ، أو نحكي عنه ، ونفوسنا في هذه الحالة مطمئنّة ببقائه ، ساكنة إليه ، غافلة بالمرّة عن احتمال موته ، ولا يخطر ذلك ببالنا أصلا حتّى يصير منشأ للتزلزل ومورثا للتأمّل.
ثم إنّه ربّما نتفطّن بأنّ الرجحان الذي كان حاصلا في نفوسنا كان ظنيّا (٢) ؛ غير بالغ حدّا يمنع النقيض.
هذا ، وممّا يؤيّد مطلوبنا ؛ جعل الظنّ في مقابل الحق واليقين في الكتاب والسنّة ، والعرف الظاهر منه عدم وساطة العلم بينهما ، مضافا إلى أنّه لم (٣) يوجد في المقامات المناسبة إظهار بالمرتبة الثالثة ـ مثلا ـ بأن يقال : الظنّ كذا ، والعلم كذا ، واليقين كذا ، والظنّ كذا حاله ، والعلم كذا حاله ، واليقين كذا حاله ، وسيّما مع ما ذكرت من أنّ حجيّة هذا العلم بعد العجز عن اليقين ، فتأمّل.
__________________
(١) في ز : (وترجع الأمر عليه أن نذكره).
(٢) في الحجرية ، ه : (ظنّا).
(٣) لم ترد : (لم) في ج ، د ، ه ، و.
