وممّا يؤيّد أيضا ؛ أمثال قوله تعالى : (أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ)(١) ؛ إذ بعيد من المنصف المتأمّل كون ذمّهم بسبب القول ، من دون حصول اطمئنان ، بحيث لو كان حاصلا لما كانوا يستحقّون هذا الذمّ ، وإن كان معتقدهم خلاف الواقع ، سيّما مع ملاحظة كونهم مطمئنّين غالبا.
فإن قلت : المراد في أمثال المواضع خصوص اليقين ؛ لما ذكر من القرينة ، استعمالا للعام في الخاص ؛ إذ لا كلام في استعمال العلم في اليقين.
قلت : فيظهر ـ حينئذ ـ ذمّ العمل بعلمكم ، وهو المطلوب ، وهو الظاهر.
وبالجملة ؛ لو تأمّلت لعلّك وجدت مؤيّدات أخر.
وممّا يشهد للمطلوب ؛ أنّ العلم في مثل زيد يعلم ما فعله عمرو ، والله يعلم ما تفعلون وما تقولون ، و (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ)(٢) ، وغيرها ، غير خفيّ أنّه غير مستعمل في الجزم والسكون ـ أعني القدر المشترك بين علمكم والعلم بالمعنى المعروف ـ بل مستعمل في العلم بالمعنى المعروف.
فعلى رأيكم ، إمّا أن يكون هذا الاستعمال بعنوان الحقيقة ، فيلزم الاشتراك ، وهو ـ مع مرجوحيّته في نفسه ـ ظاهر الفاسد هاهنا ؛ إذ لا يفهم من إطلاق لفظ العلم المجرّد ولا يتبادر منه إلّا معنى واحد بحسب العرف ، ولا يحصل التردّد والتوقّف بين معنيين أصلا.
أو يكون بعنوان المجاز ، ولأجل علاقته وارتباطه بالقدر المشترك ربّما يلاحظ تلك العلاقة حين الاستعمال ، وغير خفيّ علي المنصف أنّ الأمر ليس
__________________
(١) الأعراف (٧) : ٢٨.
(٢) الانعام (٦) : ٧٣ ، الرعد (١٣) : ٩ ، المؤمنون (٢٣) : ٩٢ ، السجدة (٣٢) : ٦ ، الزمر (٣٩) : ٤٦ ، الحشر (٥٩) : ٢٢ ، التغابن (٦٤) : ١٨.
