اللبن حتى أشربه كلّه. فقال جبرئيل : قضي الأمر ليقضي الله أمرا كان مفعولا ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حيي عن بيّنة.
ثمّ قال جبرئيل : قم يا محمّد ، فقمت فاذا بسلّم من ذهب قوائمه من فضّة ، مركّب من اللؤلؤ والياقوت ، يتلألأ نوره ، وأسفله على صخرة بيت المقدس ، ورأسه في السماء ، فقيل لي : يا محمّد ، اصعد. فصعدت فانتهيت إلى بحر أخضر عظيم أعظم ما يكون من البحار ، فقلت : يا جبرئيل ، ما هذا البحر ؟ فقال : يا محمّد ، هذا بحر في الهواء لا شيء فوقه يتعلّق به ، ولا شيء تحته يقرّ فيه ، ولا يدري قعره وعظمته إلّا الله ، ولو لا أنّ هذا البحر كان حائلا لاحترق ما في الدنيا من حرّ الشمس » .
قال : « ثمّ انتهيت إلى سماء الدنيا ، واسمها رقيع ، فأخذ جبرئيل بعضدي ، وضرب بابها به (١) ، وقال : افتح الباب. قال الحارس : من أنت ؟ قال : جبرئيل. قال : ومن معك ؟ قال : محمّد. قال : أو قد بعث محمّد ؟ قال : نعم. قال : الحمد لله. ففتح [ لنا ] الباب ودخلنا ، فلمّا نظر إليّ قال : مرحبا بك يا محمّد ، ولنعم المجيء مجيئك. فقلت : يا جبرئيل ، من هذا ؟ قال : هذا إسماعيل خازن سماء الدنيا ، وهو ينتظر قدومك ، فادن وسلّم عليه ، فدنوت وسلّمت ، فردّ عليّ السّلام وهنّأني ، فلمّا صرت إليه قال : أبشر يا محمّد ، فإنّ الخير كلّه فيك وفي امّتك. قال : وإذا جنوده قائمون صفوفا ، ولهم زجل بالتسبيح يقولون : سبّوح قدّوس ربّ الملائكة والرّوح ، قدّوس قدّوس لربّ الأرباب ، سبحان العظيم الأعظم » .
قال : « ثمّ انتهيت إلى آدم ، فاذا هو كهيئته يوم خلقه الله ، وكان تسبيحه : سبحان الجليل الأجلّ ، سبحان الواسع الغنيّ ، سبحان [ الله ] العظيم وبحمده ، فاذا هو تعرض عليه أرواح ذريّته المؤمنين ، فيقول : روح طيبة ونفس طيبة خرجت من جسد طيب ، اجعلوها في علّيين ، وتعرض عليه أرواح ذرّيته الكفّار ، فيقول : روح خبيثة ونفس خبيثة خرجت من جسد خبيث ، اجعلوها في سجّين » قال صلىاللهعليهوآله : « فتقدّمت إليه وسلّمت عليه ، فقال : مرحبا بالابن الصالح والنبيّ الصالح » .
قال صلىاللهعليهوآله : « ورأيت رجالا لهم مشافر كمشافر الإبل (٢) ، في أيديهم قطع من نار كالأفهار - أي الحجارة التي [ كلّ ] واحد منها ملء الكفّ - يقذفونها في أفواههم ثمّ تخرج من أدبارهم ، قلت : من هؤلاء يا جبرئيل ؟ قال : أكلة أموال اليتامى ظلما.
ثمّ رأيت رجالا لهم بطون أمثال البيوت ، فيها حيّات ترى من خارج البطون بطريق آل فرعون يمرّون عليهم كالابل المهيومة (٣) حين يعرضون على النّار ، لا يقدرون أن يتحوّلوا من مكانهم ذلك -
__________________
(١) في النسخة : وضرب بابه.
(٢) مشفر الإبل : بمثابة الشفة للانسان.
(٣) أي العطشى.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٤ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4426_04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
