ثمّ قال لي : ماذا رأيت في مسيرك ؟ فقلت : ناداني مناد عن يميني. فقال لي : أو أجبته. قلت : لا ولم التفت إليه. قال : ذلك داعي اليهود ، ولو أجبته لتهوّدت امّتك من بعدك. ثمّ قال : ماذا رأيت ؟ فقلت : ناداني مناد عن يساري. فقال لي : أو أجبته ؟ فقلت : لا ، ولم التفت إليه. فقال : ذاك داعي النصارى ، ولو أجبته لتنصّرت امتك من بعدك. ثمّ قال : ماذا استقبلك ؟ فقلت : لقيت امرأة كاشفة عن ذراعيها عليها من كلّ زينة الدنيا. فقالت : يا محمّد ، انظرني حتّى اكلّمك. فقال لي : أفكلّمتها ؟ فقلت : لم اكلّمها ولم التفت إليها. فقال : تلك الدنيا ، ولو كلّمتها لاختارت امّتك الدنيا على الآخرة.
ثمّ سمعت صوتا أفزعني ، فقال لي [ جبرئيل : ] تسمع يا محمّد ؟ قلت : نعم. قال : هذه صخرة قذفتها على شفير جهنّم منذ سبعين عاما ، فهذا حين استقرّت. قالوا : فما ضحك رسول الله صلىاللهعليهوآله حتّى قبض.
قال : فصعد جبرئيل وصعدت معه إلى سماء الدنيا وعليها ملك يقال له إسماعيل ، وهو صاحب الخطفة التي قال الله تعالى : ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾(١) وتحته سبعون ألف ملك ، تحت كلّ ملك سبعون ألف ملك : فقال : يا جبرئيل ، من معك ؟ فقال : محمّد. قال : أو قد بعث ؟
قال : نعم ، ثمّ فتح الباب ، فسلّمت عليه وسلّم عليّ ، واستغفرت له واستغفر لي ، وقال : مرحبا بالأخ الناصح والنبيّ الصالح ، وتلقّتني الملائكة حتى دخلت سماء الدنيا ، فما لقيني ملك إلّا كان ضاحكا مستبشرا حتى لقيني ملك من الملائكة لم أر خلقا أعظم منه ، كريه المنظر ، ظاهر الغضب. فقال لي مثل ما قالوا من الدعاء إلّا أنّه لم يضحك ، ولم أر فيه [ من ] الاستبشار ما رأيت ممّن ضحك من الملائكة.
فقلت : من هذا يا جبرئيل ، فإنيّ قد فزعت منه ؟ فقال : يحقّ أن تفزع منه ، وكلّنا نفزع منه ، إن هذا مالك خازن النار ، لم يضحك قطّ ، ولم يزل منذ ولّاه الله جهنّم يزداد غضبا وغيظا على أعداء الله وأهل معصيته ، فينتقم الله به منهم ، ولو ضحك إلى أحد كان قبلك ، أو كان ضاحكا إلى أحد بعدك ، لضحك إليك ، ولكنّه لا يضحك. فسلّمت عليه فردّ السّلام عليّ ، وبشّرني بالجنة.
فقلت لجبرئيل وهو بالمكان الذي وصفه الله : ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾(٢) : ألا تأمره أن يريني النار ؟ فقال له جبرئيل : يا مالك ، أر محمّدا النار. فكشف عنها غطاءها ، وفتح بابا منها ، [ فخرج ] لهيب ساطع في السماوات ، وفارت وارتفعت حتى ظننت ليتناولني ممّا رأيت. فقلت : يا جبرئيل ، قل له فليردّ عليها غطاءها ، فأمرها وقال : ارجعي ، فرجعت إلى مكانها الذي خرجت منه.
ثمّ مضيت فرأيت رجلا آدما (٣) جسيما فقالت : من هذا يا جبرئيل ؟ فقال : هذا أبوك آدم. فاذا هو
__________________
(١) الصافات : ٣٧ / ١٠.
(٢) التكوير : ٨١ / ٢١.
(٣) الآدم من الناس : الأسمر.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٤ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4426_04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
