ثم قال أبو نعيم : فإن قيل : فإن إبراهيم عليهالسلام كسر أصنام قومه غضبا لله ، قيل : فإن محمدا صلىاللهعليهوسلم كسر ثلاثمائة وستين صنما ، قد ألزمها الشيطان بالرصاص والنحاس ، فكان كلما دنا منها بمخصرته تهوى من غير أن يمسها ، ويقول (جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٨١)) (١) فتساقط لوجوهها ، ثم أمر بهن فأخرجن إلى الميل ، وهذا أظهر وأجلى من الّذي قبله. وقد ذكرنا هذا فى أول دخول النبي صلىاللهعليهوسلم مكة عام الفتح بأسانيده وطرقه من الصحاح وغيرها ، بما فيه كفاية ، وقد ذكر غير واحد من علماء السير أن الأصنام تساقطت أيضا لمولده الكريم ، وهذا أبلغ وأقوى فى المعجز من مباشرة كسرها ، وقد تقدم أن نار فارس التى كانوا يعبدونها خمدت أيضا ليلتئذ ، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام ، وأنه سقط من شرفات قصر كسرى أربع عشر شرفة ، مؤذنة بزوال دولتهم بعد هلاك أربعة عشر من ملوكهم فى أقصر مدة ، وكان لهم فى الملك قريب من ثلاثة آلاف سنة ، وأما إحياء الطيور الأربعة لإبراهيم عليهالسلام ، فلم يذكر أبو نعيم ولا ابن حامد. وسيأتى فى إحياء الموتى على يد عيسى عليهالسلام ما وقع من المعجزات المحمدية من هذا النمط ما هو مثل ذلك كما سيأتى التنبيه عليه إذا انتهينا إليه ، من إحياء أموات بدعوات أمته ، وحنين الجذع ، وتسليم الحجر والشجر والمدر عليه ، وتكليم الذراع له وغير ذلك.
وأما قوله تعالى : (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)) (٢) والآيات بعدها ، فقد قال الله تعالى : (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)) (٣).
__________________
(١) سورة الإسراء ، الآية : ٨١.
(٢) سورة الأنعام ، الآية : ٧٥.
(٣) سورة الإسراء ، الآية : ١.
